وأما بيان أن ما لا دليل عليه يجب نفيه فهم يثبتونه أيضا على وجهين :
أحدهما : أن تجويز ثبوته يؤدي إلى القدح في العلوم الضرورية والنظرية .
( أما ) « 1 » بيان أنه يؤدي إلى القدح في العلوم الضرورية أنا « 2 » إذا جوزنا ثبوت ما لا دليل عليه يلزمنا تجويز أن يكون بحضرتنا جبال شامخة وأصوات هائلة وأن « 3 » لكل واحد منا ألف رأس إلا أنه قام بالعين ما يمنع من إدراك ذلك ، وذلك المانع غير معلوم بنفسه ولا دليل على ثبوته .
أما بيان أدائه إلى القدح في العلوم النظرية فبوجهين :
أحدهما : أنا استدللنا بدليل على شيء فإذا جوزنا ثبوت ما لا دليل عليه ، جوزنا في مقدمات ذلك الدليل غلطا أو شبهة « 4 » لم يقف عليها لا نحن ولا غيرنا ، ومع هذا التجويز لا يمكن حصول اليقين . فإذن لا بدّ من دفع هذا التجويز ، ودفعه لو كان بقليل آخر كان الكلام فيه كالكلام في الأول ، فيلزم حاجة دليل إلى دليل آخر لا إلى نهاية ، وأنه محال . إذ لو لم نقطع بنفي ما لا دليل على ثبوته لم يمكن أن نجزم بصحة الدليل .
والوجه الثاني : ما ذكره قاضي القضاة في شرح ( الجمل والعقود ) « 5 » أن تجويز ما هذا حاله يلزم منه تجويز معاني في المحل لا طريق إلى العلم بها ، ومتى جوزنا ذلك لم نعلم إثبات علة لمعلوم ولا ضد لمتضاد ولا فعل لقادر ، وكان يبطل ما علمناه من استحقاق المدح والذم بالأفعال ، وإنما قلنا ذلك لأننا كنا نجوز ألا يكون المؤثر في ذلك الحكم هي هذه العلة ، بل المؤثر فيه شيء آخر طريق إلى العلم به ، وأن المنافي للضد ليس ما علمناه ضدا له بل هو شيء لا طريق إليه ، وكذلك المؤثر في مقدور القادر ليس هو / ( . . ) « 6 »
هامش
( 1 ) أضيفت لأن السياق يتطلبها .
( 2 ) في الأصل : « أما » .
( 3 ) غير واضحة .
( 4 ) في الأصل : « شبها » .
( 5 ) غير واضحة ، وللقاضي كتاب اسمه « شرح العقود » ذكره الحاكم ( 376 ) وله أيضا « العقود » ذكره الحاكم ( في ص 75 ) ولعله الكتاب السابق « شرح العقود » ( انظر مقدمة « شرح الأصول الخمسة » للدكتور عبد الكريم عثمان ص 22 ) .
( 6 ) حذفت كلمة « هو » لأنها مكررة .