فصل في صفة كونه تعالى مدركا
اختلف الشيوخ في ذلك ، فذهب البصريون - أبو علي وأبو هاشم وأصحابهما - إلى إثبات ذلك وأنه زائد على ما سبق ذكره من سائر الصفات . وذهب البغداديون كأبي القاسم الكعبي إلى نفي ذلك وزعم أن المرجع بكونه تعالى مدركا سميعا بصيرا إلى العلم بالمدرك والمسموع والمبصر . ثم إن البصريين سلكوا في إثبات هذه الصفة طريقة القياس على الوجه الذي حكيناه « 1 » عنهم في سائر الصفات . ويحتاج في تصحيح / طريقهم في هذه المسألة « 2 » إلى أصول منها : بيان أن الواحد منا في الشاهد مدرك على الإجمال ، ثم بيان أن ذلك زائد على سائر صفاته من كونه حيا عالما قادرا أو غيره من الصفات . ومنها أن المقتضي لهذه الصفة في الشاهد هو كونه حيا . ومنها أن هذه الصفة ممكن ثبوتها لغير الجسم . ومنها أن الله تعالى مثل صفة الواحد منا في كونه حيا . ومنها أن الشروط التي تشترط في اقتضائه هو الحي في الشاهد من الحواس يقتضي شرطها في الشاهد ولا يشترط ذلك في حقه تعالى . ومنها أنه لا يمكن أن يتوقف إيجابه كذلك على شروط أخر .
أما بيان الأول فظاهر ، لأنا نجد من أنفسنا عندما نرى ونسمع حالة زائدة متجددة .
وأما بيان الثاني وهو أن هذه الحالة زائدة على سائر صفاته من كونه حيا عالما ، فلأن الواحد منا يكون حيا ولا يجد من نفسه ما يجد عند فتح العين ووجود الصوت ، وكذا هذا في كونه حيا قادرا عالما فلأنّا عند القدرة بدون فتح العين لا نجد ذلك ، وكذا الأعمى شارك المبصر في العلم بالشيء ويفارقه في أمر خاص يجده عند فتح العين .
لا يقال : بأن عند فتح العين نعلم من تفاصيل المرئي ما لا يعلمه الأعمى والمغمض العين ، لأنا نقول : إذا أدركنا الشيء الصغير ثم غمضنا العين فإنه لا تتفاوت الحال في المعرفة به ولو كان ما به أمرا يسيرا « 3 » لا يشعر به وما ذكرناه من الفصل بين الحالين أمر
هامش
( 1 ) في الأصل : « حكينا » .
( 2 ) في الأصل : « المسله » .
( 3 ) في الأصل : « أمر يسير » .