يقال لهم : قبل أن نشرع في الاعتراض على كلامكم لإثبات الصفات لا بدّ من تلخيص محل النزاع ، فإن إقامة الدلالة على إثبات أمر ونفيه لا يمكن إلا بعد تصور ذلك المثبت وتميزه عما لا يثبته وتصور ذلك المنفى وتميزه عما لا ينفيه « 1 » .
فهذا الذي يثبتونه في هذا المقام إما أن يكون هو الذات أو لا هو الذات ، فإن لم يكن هو الذات فإما أن يكون أمرا وراء الذات لا تدخل فيه الذات أو تدخل فيه ، وانحصار هذه الأقسام معلوم بالضرورة فلا بد من اختيار أحدها .
فإن كان الأول وهو الذات وحده كان في ذلك مساعدة مع الخصم في الاقتصار على الذات ونفي ما ادعيناه ، وإن كان الثاني أو « 2 » الثالث كان في ذلك هدم / أصل المذهب ، وهو أن الصفات لا تعلم ، إذ لو علمت لكان لا بدّ من الحكم عليها بالخلاف أو التماثل ، وذلك لا يكون عندكم إلا بالصفات فيتسلسل وإنه محال . ولا محيص لهم عن لزوم وجوب اختيار أحد ما ذكرناه من الأقسام ولا يجديهم نفعا ما يستعملونه من المدافعة والملافظة ، وتغير العبارة نحو قولهم : أنا أثبت الصفات فلا أقول لله صفة وإنما أقول إن الله على صفة ، أو ذاته موصوفة ، أو ما جرى هذا المجرى من العبارات الشارحة « 3 » المبهمة التي لا يقصد بها إلا التستر من التعمية .
لأنا نقول لهم : قولكم ذات على صفة أو ذات موصوفة إما أن يكون المفهوم منه هو المفهوم من قولنا ذات فيعود « 4 » الإشكال الذي وجهناه ولو اقتصرنا في هذه المسألة على هذا البحث لكفى ذلك في بطلان ما يذهبون إليه من القول بالصفات ، ولا يكون بنا حاجة إلى النظر في أدلتهم وبيان فسادها على التفصيل . ثم نقول في الاعتراض على كلامهم قولكم بأنه وجبت له هذه الصفة دون غيره « 5 » من الذوات ، فلا بد من أن يختص بحالة
هامش
( 1 ) في الأصل : « لا ينتفيه » .
( 2 ) في الأصل : « و » .
( 3 ) هكذا في الأصل .
( 4 ) في الأصل : « ويعود » .
( 5 ) في الأصل : « غيرها » .