وكان الخصم مع ذلك يريد سفاهة ولجاجا فعلى العاقل الفطن الاعراض عنه ، ويذكر قوله تعالى :
( وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً )
« 1 » .
وكان السلف الصالح الذين ذموا الكلام والمتكلمين إنما عنوا أمثال هؤلاء . فإن من سعى لتعلم ما لا يعلمه كان محمودا ، وإذا سعى في أن يجهل ما علمه كان مذموما .
ونحن من بعد هذا الإجمال نورد على التفصيل استدلالهم لإثبات وجود الله تعالى على أتم ما ذكروه ، ثم نذكر الاعتراض على كل واحد من مقدمات دليلهم على وجه يبين بطلانها وأنها لا تثمر ظنا فضلا عن علم كما استدلوا .
فقالوا : إنه تعالى قادر ، والقادر له تعلق بالمقدور ، ونعني بالتعلق أمرا لأجله يختص بمقدور دون مقدور ، ولولا ذلك لم يصح منه مقدور أولى من مقدور ، والمعدوم مستحيل تعلقه بغيره ، فالقادر إذن غير معدوم ، فهو إذن موجود .
بيان أن المعدوم لا يتعلق بغيره للقياس « 2 » على الإرادة ، وإنها عند الوجود تتعلق
بالمراد وعند العدم تخرج من التعلق ولا علة لذلك إلا عدمها ، فلزم أن يستحيل تعلق كل معدوم ويحتاج في تصحيح هذه الدلالة إلى مقدمات عشرة :
منها أنه تعالى يصح منه مقدور دون مقدور ولا يقدر على أعيان مقدور العباد . ومنها أن له تعلقا لأجله اختص كونه قادرا بمقدور دون مقدور . ومنها أنه لا بدّ من إثبات صفة المريد الزائدة على الداعي الخالص « 3 » أو المرجح . ومنها أنه لا بدّ في تلك الصفة من معنى يوجب ذلك على ما حكيناه عنهم في مسألة الأكوان . ومنها أن هذه الإرادة موجودة .
ومنها أنها إنما تتعلق في حال وجودها . ومنها أنها تعدم وجودها . ومنها أنها تخرج عن التعلق عند العدم ، ومنها أنه لا علة لذلك إلا عدمها . ومنها التعدية من الأصل إلى الفرع بالعلة الجامعة ، وهاهنا نحتاج إلى بيان أن هذا هو العلة ، وأن ما كان شرطا أو نفي مانع في الأصل فهو حاصل هنا . ثم كل واحد من هذه / الأصول تحت « 4 » العشرة
هامش
( 1 ) سورة الفرقان ( 25 ) آية 63 .
( 2 ) في الأصل : « القياس » .
( 3 ) غير واضحة .
( 4 ) غير واضحة .