فإنه يقطع ببطلان أمثال هذه المذاهب ونتعجب من أن يكون في الوجود عاقل / تسمح نفسه بمثل هذه الاعتقادات ويعلم أن من احتزأ « 1 » على هذه الاعتقادات لزم أن يجوز فيما شاهده من الأجسام والأعراض أن تكون كلها معدومة ، لأن ما يتناوله الإدراك ليس هو الوجود عندهم وإلا لزم أن يرى الله لوجوده ، بل إنما يتناوله الإدراك للصفة المقتضاة عندهم عن صفة الذات وهو التحيز في الجوهر وهيئة السواد والبياض منهما . وإذا جاز أن تكون الذوات موصوفة بصفة الذات في العدم جاز أيضا أن تتصف بمقتضاه في العدم حتى رام بعضهم دفع هذا الإشكال فقال أن المتحيز مرتب على الوجود وأنه شرط فيستحيل أن نعلمه متحيزا ولا نعلمه موجودا . فيقال أنه يجوز أن تترتب الأشياء في الوجود ولا يلزم أن تترتب كذلك في العلم كما في صفة الحياة والعلم وكما في وجود الله تعالى مع وجود العالم ، ونظائره كثيرة ، وإن كان كذلك لكنه استدلال فيلزم الشك في ذلك قبل استكمال الاستدلال . وذكر قاضي القضاة المقتضى عن هذا الكلام ما نقول من ذلك فقال : إنا إذا شاهدناه متحيزا في جهة فإنا نعلم وجوده لأنه يستحيل عدمه مع كونه في جهة ، والإشكال عليه ما سبق أن الترتيب في الوجود لا يوجب الترتيب كذلك في العلم .
والثاني : أن هذا الاستدلال فيه إلزام في ذلك قبل الاستدلال .
والثالث : أن هذا الاستدلال فاسد ، لأن كونه في جهة لا يستدعى إلا تحيزه ، لأنه إنما احتاج إلى الجهة لتحيزه لا لوجوده .
ثم نقول : لا يجوز أن يكون متحيزا في حال عدمه كما كان جوهرا مع عدمه على ما ذهب إليه أبو عبد الله البصري ، وظهر أن قولهم في أن المعدوم ذات وأن الوجود زائد عليه فوردهم موارد السفسطة وحقيق على العاقل أن يتفطن « 2 » عند ذلك بخطائه في الأصل الذي أدّاه إلى هذا الباطل . وإذا انتهى / الكلام في الوضوح إلى هذه الغاية
هامش
( 1 ) غير واضحة .
( 2 ) غير واضحة .