كنت قد حكيت عن شيوخنا الماضين أنهم لم يذهبوا إلى هذه المذاهب . وقد صدق الشيخ أبو الحسين - رحمه الله - في ذلك وأن هذه الحجج التي قنعوا بها في إثبات هذا الأصل العظيم ليس يصلح إيرادها عند ملاعب الصبيان في مقام [ ترويح الجبال ] « 1 » فكيف تمثل أساس أصل هو أساس الإسلام . وأكثر مسائل مذهبهم يبنى على هذا الأصل وأنهم جعلوا المعاني المقدرة إلى طريق إثباتها هذه أربعة وعشرين جنسا . فجعلوا عشرة منها مشتركة في القدرة عليها بين القادر للذات وبين القادرين « 2 » بالقدرة . خمسة منها أفعال بالجوارح وخمسة منها أفعال القلوب ، والقسم الأول / هي الأكوان والاعتمادات والتأليفات والأربع « 3 » والأصوات . والقسم الثاني : هي الاعتقادات والظنون والانظار والإرادات والكراهات . وأما الثاني فإنه يختص بالقدرة عليها الله تعالى وهي « 4 » الجواهر والألوان والطعوم والروائح والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والحياة والقدرة والشهوة والنفرة والفناء والموت عند أبي علي - رحمه الله تعالى - فأنظر إلى مثل هذا الأصل لو أختل فإنه يختل أصل الإسلام وتختل من مذهبهم هذه الأقسام الكثيرة ، ثم إنهم صححوا هذا الأصل بهذه الامارات الضعيفة التي لا تثمر ظنا وخيالا فكيف علما قطعيا لا يخالج الإنسان فيه ريب .
وأكد مقدمات طرقهم دعوى الضرورة في أول المسألة . نحو قولهم : الكائنية تتزايد ، ومن المعلوم بالضرورة أن كون الجسم شاغلا للجهة أو محاذيا لغيرة « 5 » أو مماسا له لا يتصور فيه تزايد ، ولو اعتمدنا عليه يزداد الاعتماد فيه ويشق نقله كما يشق نقل الثقيل ، أما أن يزداد كونه حاصلا في الجهة فلا يكون تحكما واقتراحا « 6 » بغير دلالة تدل على صحتها نحو ما يفرقون به بين صفة الكائنية وبين صفة الوجود . فيقولون : صفة
هامش
( 1 ) كذا في الأصل . ولعلها « ترويح الحبال » .
( 2 ) مضافة بالهامش .
( 3 ) كذا في الأصل بلا معنى ولعلها « التفريق » .
( 4 ) أضيفت ليستقيم السياق .
( 5 ) مضافة بالهامش .
( 6 ) كذا في الأصل : ولعلها : « افتراء » .