فيجوز أن يصدر عنها أحدهما دون الآخر فيوجد ذلك الوصف الذي هو العلة بدون ذلك الشيء فيثبت « 1 » ذلك الحكم ويوجد هذا الشيء بدون ذلك الوصف فلا يميز ذلك الحكم .
وقد ضرب شيخنا أبو الحسين مثالا في التصفح « 2 » فقال : إن قائلا قال : لم كانت السفن أسرع انحدارا من / بغداد إلى البصرة مع جرية الماء في أواخر الربيع منها في أواخر الخريف . قيل له : لأن النهار في أواخر الربيع أطول منه في أواخر الخريف ، والدليل على أن ذلك هو العلة لأنه متى طال النهار كان هذا الحكم ثابتا ومتى قصر كان هذا الحكم زائلا فعلمنا أنه علته ، لأنه لو لم يكن علته لم يكن التعليل صحيحا ، لأنه لم يأت المعلّل بعلة مؤثرة ، ولا بيّن أنه بين الموضعين فرق إلا ما ذكر أنه يجعل مع طول « 3 » النهار وصفا آخر وهو المؤثر والعلة المؤثرة في ذلك هو أن التأثير في هذا الزمان لتحلل الثلوج المتوفرة في الشتاء بحر الشمس وكثرة الأمطار ، فإذا زاد الماء مع أن السفن تسير في جريته فقد زاد التدافع ، وإذا عظم دفع الشيء لغيره كان لذلك اندفاع المدفوع أسرع ولو اقتصر على العلة الأولى لزم أن تكون السفن السائرة في جرية الماء بالنيل أسرع جرية في زمن الربيع لأن النهار يطول وليس كذلك بل هي أبطأ جرية في هذا الزمان منها في الخريف لأن السبب المؤثر ليس بحاصل وهو زيادة الماء بالنيل في الربيع .
وكذلك القول فيما حكيناه من العلل .
وقد قال أصحابنا في علل الفروع أن طريق صحتها أن يوجد الحكم بوجودها وينتفي بانتفائها أو لا يكون في الأصل وصف وهو أولى منها بتعلق الحكم به فهلا اعتبروا ذلك في هذه الطرق ، ولئن سلمنا صحة هذه الطريقة وهو أنه إذا علم دوران الحكم مع شيء ولم يعلم شيء آخر فإنه يجعل علة ، ولكن لم قلتم بأنها حاصلة هاهنا ؟ .
قولكم : بأنه إذا لم يقدر على جعل كلام غيره خبرا لم يقدر على إيجاده .
هامش
( 1 ) في الأصل « فثبت » .
( 2 ) كتاب لأبي الحسين البصري ذكره الفخر الرازي في المطالب العالية - تحقيق أحمد حجازي السقا ، بيروت - دار الكتاب العربي - 1407 / 1987 م .
( 3 ) مستكملة بالهامش .