وبيانه من وجهين : أحدهما أن حقيقة القادر هو الذي يدعوه الداعي إلى إيجاد شيء فيقصد إلى إيجاده بحسب ما يدعوه الداعي ، وهذا إنما يتصور في فعل هو معدوم حتى لو لم يتصور / تحقق الداعي فيما كان باقيا . وهذا معلوم بالضرورة . ولو قلنا بأنه يقارن الفعل الفاعل لزم من ذلك أن يكون كل واحد منهما قديما فيستحيل تحقق الداعي إليه .
لا يقال : إن ما « 1 » ذكرتم إنما يقتضي تقدمه عليه وقتا واحدا ، وأنتم لا تقولون به .
فإن كان ذلك يقتضي حدوث الفاعل فإن المتقدم على الفاعل بمدة متناهية متناه .
لأننا نقول : إما أن تثبتوا هذا السؤال على إثبات مدة وزمان . أو لا على مدة وزمان ، فإن لم تثبتوه على المدة ولم تثبتوها لم يستقم هذا السؤال . لأن تقدير التقدم بوقت ( أو ) « 2 » أوقات إنما يصح على تقدير تحقق الزمان وعلى هذا الوجه يكون حالة إيجاد العالم سابقا عليه مقارنا لحالة كونه غير سابق عليه ، فيكون إيجاده على إحدى الحالتين ممكنا دون الأخرى من غير أن نتوجه عليه المطالبة بتقدير التقدم . وإن تثبتوه على المدة والزمان فإنه يتعدى .
لنا في الجواب عن السؤال طرق أحدهما : أن نقول : لم قلتم أنه لا يجوز أن يكون في المؤثرات ما يؤثر على وجه يسبق على تأثيره سبقا لا أول له فلا يصير ذلك كونه تاما في المؤثر وهو ما كان قديما ، كما لم يتصور ذلك فيما كان سابقا عليه وقتا واحدا بعد تمام جهات مؤثريته ؟
ومنها وهو الطريق الثاني من الجواب ، أن نقول : لم قلتم أنه لا يجوز إيجاد العالم فيما لم يزل من غير أن يكون سابقا سبقا عليه أزليا ، ويكون صحيح الوجود إذا كان سابقا عليه كذلك على ما ذهب إليه الشيخ أبو القاسم الكعبي « 3 » وذلك لأن عند إثبات المدة والزمان تختلف الأحوال ، وطول المدة وقصرها وتناهيها وعدم تناهيها فيجوز / أن
هامش
( 1 ) في الأصل : « إنما » .
( 2 ) أضيفت ليستقيم السياق .
( 3 ) هو عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي وأشهر متكلمي المعتزلة في بغداد . توفى 319 ه / 930 م ( أنظر معجم المؤلفين 6 / 31 ) .