( 96 ) ثم لسائل أن يسأل فيقول إنه إذا لم يكن بين المحمول و الموضوع سبب فى نفس الوجود ، فكيف تبين النسبة بينهما ببيان ؟ فنقول : إذا كان ذلك بينا بنفسه لا يحتاج إلى بيان ، و يثبت فيه اليقين من جهة أن نسبة المحمول إلى الموضوع لذات الموضوع ، فذات الموضوع يجب مواصلتها للمحمول . و قد علمت المواصلة و وجوبها من حيث وجبت ، فالعلم الحاصل يقينى . و إن لم يكن بينا بنفسه ، فلا يمكن ألبته أن يقع به علم يقينى غير زائل : لأنا إذا جعلنا المتوسط ما ليس بسبب ، لم يمكن أن يطلب به هذا العلم اليقينى . و ان جعلناه ما هو سبب فقد وسطنا سببا ، و هذا محال إذا فرضنا أنه لا سبب .
فيشبه أن تكون أمثال هذه بينة بنفسها كلها ، أو يكون بيانها بالاستقراء . إلا أنه لا يخلو ، إذا بين بالاستقراء ، من أحد أمرين : و ذلك لأنه إما أن يكون وجود نسبة المحمول إلى جزئيات الموضوع بينا بنفسه بلا سبب ، إذ إنما يتبين الاستقراء بهذا النوع ، و إما أن يكون وجود نسبة المحمول إلى جزئيات الموضوع فى نفسه بسبب . فإن كان بينا بنفسه فى كل واحد منها ، فإما أن يكون البيان بالحس فقط ، و ذلك لا يوجب الدوام و لا رفع أمر جائز الزوال ، فلا يكون من تلك المقدمات يقين . و إما أن يكون بالعقل و هذا القسم غير جائز ، لأن هذا المحمول لا يجوز أن يكون ذاتيا بمعنى المقوم : فإنا سنبين بعد أن الذاتى بمعنى المقوم غير مطلوب فى الحقيقة ، بل وجوده لما هو ذاتى له بين . و إما أن يكون عرضيا - و لا شك أنه يكون من الأعراض اللازمة لكلى يقال على الجزئيات إذا صح حمله على الكل - فيكون هذا العرض لازما لشىء من المعانى الذاتية للجزئيات ، فإن العرض الذى هذه صفته ، هذا شأنه . و إذا كان كذلك كان حمله على كل جزئى لأجل معنى موجود له و لغيره من الذاتيات ، فيكون ذلك - اى الذاتى - سببا عاما لوجود هذا العرض فى الجزئيات ، و فرضناه بلا سبب . و إذا علم من جهة ذلك السبب ، لم يكن ذلك بعلم ضرورى و لا يقين ، فضلا عن بيّن بنفسه . و يستحيل أن يكون عرضا للمعنى العام حتى يصح أن يكون مطلوبا ، لكنه ذاتى لكل واحد من الجزئيات إلى آخرها : فإن الذاتى لجميع الجزئيات لا يصح أن يكون عرضيا للمعنى الكلى المساوى لها ، لأنه ليس ثمة شىء من موضوعات ذلك الكلى يعرض له ذلك الحمل بسلبه أو إيجابه . فإذا لم يكن عارضا لشىء منها ، فكيف يكون عارضا لكلها ؟ و عارض طبيعة الكلى عارض الكل : فإن الحركة بالإرادة لما كانت عرضا لازما لجنس الإنسان كانت عرضا للإنسان و لكل نوع مع الإنسان . فقط بان أن نسبة المحمول فى مثل ما كلامنا فيه تكون عرضية عامة ، و تحتاج أن تبين فى كل واحد من الجزئيات بسببه . فقد بطل إذن أن يكون استقراء جزئيات سببا فى تصديقنا بما لا واسطة له تصديقا يقينيا ، و أن يكون ذلك بينا فى الجزئيات بنفسه .
برهان شفا ( فارسى ) — صفحة 85
مساهمون: أبو علي سينا
ص٨٥