محمّد بن تكش المعروف بخوارزم شاه و حظى عنده و نال أسنى المراتب و لم يبلغ أحد منزلته عنده و مناقبه أكثر من أن تعدّ و فضائله لا تحصى و لا تحدّ و كان له مع هذه العلوم شيء من النّظم فمن ذلك قوله :
نهاية أقدام العقول عقال * و أكثر سعي العالمين ضلال
و أرواحنا في وحشة من جسومنا * و حاصل دنيانا أذى و و بال
و لم نستفد من بحثنا طول عمرنا * سوى أن جمعنا فيه قيل و قالوا
و كم قدر رأينا من رجال و دولة * فبادوا جميعا مسرعين و زالوا
و كم من جبال قد علت شرفاتها * رجال فزالوا و الجبال جبال
و كان العلماء يقصدونه من البلاد و تشدّ إليه الرّحال من الأقطار . و حكى شرف الدّين ابن عنين الآتى ذكره إنشاء اللَّه تعالى أنّه حضر درسه يوما و هو يلقى الدّروس في مدرسته بخوارزم و درسه حافل بالأفاضل و اليوم شات و قد سقط ثلج كثير و خوارزم بردها شديد إلى غاية ما يكون فسقطت بالقرب منه حمامة و قد طردها بعض الجوارح فلمّا وقعت رجع عنها الجارح خوفا من النّاس الحاضرين فلم تقدر الحمامة على الطّيران من خوفها و شدّة البرد ، فلما قام فخر الدّين من الدّرس وقف عليها و رقّ لها و أخذها بيده فأنشد ابن عنين في الحال :
يا ابن الكرام المطعمين إذا شتوا * في كلّ مسغبة و ثلج خاشف
العاصمين إذا النّفوس تطايرت * بين الصّوارم و الوشيج الرّاعف
من نبإ الورقاء أنّ محلكم * حرم و أنّك ملجأ للخائف
وفدت عليك و قد تدانى حتفها * فحبوتها ببقائها المستأنف
لو أنّها تحبى بمال لانتثت * من راحتيك بنائل متضاعف
جاءت سليمان الزّمان بشكوها * و الموت يلمع من جناحي خاطف
قرم لواه القوت حتّى ظلّه * بازائه يجرى بقلب واجف
و لابن عنين المذكور فيه قصيدة من جملتها :
ماتت به بدع تمادى عمرها * دهرا و كاد ظلامها لا ينجلى