يدعوهما بلا انقطاع أحدهما والآخر إلى الخير بأحسن النصائح . ونعرف أيضا فيهما مبدأ آخر يسير بطبعه ضدّ العقل يقاتله ويعانده ، وإنه كأعضاء الجسم التي قد ساء وضعها بعد عارض ، فتنحرف إلى الشمال متى أريد أن تتحرك إلى اليمين . فالحال كذلك على الاطلاق في أمر النفس ، فان شهوات الناس غير المعتدلين تميل دائما إلى اتجاه مضادّ لعقولهم . 16 - والفرق الوحيد هو أنه بالنسبة للجسم يمكننا أن نرى الجزء الذي حركاته قليلة الانتظام إلى هذا الحدّ ، في حين أننا لا نراه في النفس ، ولكن هذا لا يمنع من الاعتقاد بأن في النفس شيئا هو ضدّ العقل يعارضه ويسير ضدّ اتجاهه . « 17 » - كيف أن هذا الجزء من النفس مخالف إلى هذا الحدّ ، تلك مسألة لا تهم هنا البتة ، ولكن هذا الجزء نفسه له أيضا على التحقيق نصيبه من العقل كما قلنا آنفا . فهو في الانسان الذي يعرف أن يكون قنوعا يطيع العقل . وإنه لأسهل انقيادا للعقل وأكثر خضوعا له عند الرجل الحكيم والشجاع ، لأنه ليس به شئ لا يتوافق مع العقل المستنير للغاية . « 18 » - حينئذ الجزء غير العاقل للنفس يظهر أيضا أنه مزدوج . والواقع أنه في حين أن الخاصة النباتية لا تشاطر العقل في أي شئ كان ، فالجزء الشهوىّ وعلى أعمّ من ذلك الجزء الغريزىّ يشاركه في قدر معين ، بمعنى أنه يمكنه أن يستمع للعقل ويطيعه ، كما نطيع عقول آبائنا وأصدقائنا من غير أن نخضع لهم كما يخضع
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 223
مساهمون: أرسطو
ص٢٢٣
هامش
( 17 ) - نصيبه من العفل - أي أنه عاقل من جهة أنه يطيع العقل الذي محله جزء آخر من النفس .
( 18 ) - الجزء غير العاقل - كان يلزم أن يقال بالأولى « الجزء العاقل » .
- الجزء الشهوىّ - ان أرسطو يستعمل هنا الكلمة التي استعملها أفلاطون للتعبير عن هذا المعنى ، ويمكن أن يقال أيضا بدل « شهوى » « شهوة الزواج » . - لبراهين الرياضيات - فان تصديق هذه البراهين ليس فيه شئ من الاختياري ، بل هو ضروري لدى الذهن .