تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢

الانسانية كما قلنا آنفا فان الرجل الشريف الذي لا يطلب السعادة إلا من الفضيلة لا يمكن البتة أن يصير بائسا ما دام أنه لن يرتكب البتة أفعالا مذمومة وسيئة . وعلى رأينا أن الانسان الفاضل حقا ، الانسان الحكيم حقا يعرف أن يطيق جميع تقلبات الدهر من غير أن يفقد شيئا من كرامته . إنه يعرف دائما أن ينتفع بالظروف أحسن انتفاع ممكن ، كالقائد الطيب يعرف أن يستعمل الجيش الذي تحت أوامره بالطريق الأنفع في الحرب وكالإسكاف يعرف أن يصنع أحسن حذاء بالجلد الذي يقدّم له وكما يفعل في صناعته كل ذي فن . « 9 » - إذا كان هذا حقا فالرجل السعيد بأنه صالح لا يكون شقيا البتة على أنه أعترف أنه لا يكون أسعد حظا إذا وقع بالمصادفة في مثل مصائب « پريام » . ولكنه على الأقل ليس له ألف لون ، ولا يتغير من لحظة إلى أخرى . إنه لا يتزعزع بسهولة في سعادته ، ولا يكفى في فقده إياها أن يصادف عثرات الحظ العادية بل يلزم لذلك أكبر المصائب وأكثرها عددا . وفي مقابل ذلك متى خرج من هذه المحن فهو لا يرجع سعيدا في قليل من الزمن ودفعة واحدة بعد احتمالها ، ولكنه إذا قدّر أنه صار سعيدا ثانية فذلك لا يكون إلا بعد مدّة طويلة من الزمن في خلالها يكون قد أصاب على التوالي العظيم الباهر من صنوف رغد العيش . « 10 » - ما ذا يمنعنا إذن من أن نصرح بأن الانسان السعيد هو ذلك الذي

هامش
( 9 ) - على أنى أعترف أنه لا يكون أسعد حظا . من الصعب جدّا تحصيل الفروق الدقيقة في التعبيرات اليونانية ، فان اللفظ الذي ترجمناه « أسعد حظا » يظهر أنه يعطى معنى أرقى في درجات السعادة من لفظ « سعيد » . - ليس له ألف لون - هذا هو المعنى الذي ذكر في ب 8 ف 3 بالتشبيه بالحرباء .
( 10 ) - في حين أنه يكون فوق ذلك مغمورا بالخيرات الخارجية - هذا يناقض ما قاله أرسطو آنفا ، إذ يؤكد أن الفضيلة وحدها هي التي تقضى نهائيا بسعادة الانسان . - ولكن في كل حياته - تناقض آخر ليس أقل من السابق ، فقد رجع أرسطو تماما تقريبا إلى فكرة « سولون » التي كان ينحى عليها آنفا .
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 212 | أرسطو