2 - حينئذ بعد هذا الدور الطويل تؤدّى مناقشتنا إلى النقطة عينها التي كنا صدرنا منها . لكن يلزمنا أن نجتهد في إيضاح هذا أيضا بأزيد مما كان . « 3 » - كما أنه توجد غايات متعدّدة على ما يظهر لي ، وأننا نستطيع أن نبغي بعضها من أجل الأخرى ، كالثروة مثلا والموسيقى وفنّ الناى وعلى العموم جميع هذه الغايات التي يمكن أن تسمى آلات ، فمن البديهي أن كل هذه الغايات بلا تمييز ليست كاملة ولا نهائية بأعيانها . ولما أن الخير الأعلى يجب أن يكون كاملا ونهائيا ، فالنتيجة أنه إذا كان يوجد شئ واحد فرد يكون نهائيا وكاملا ، فهو على التحقيق الخير الذي نبحث عنه . وإذا وجد عدّة أشياء من هذا القبيل ، فإن الأشد نهائية من بينها هو الخير . 4 - فعلى هذا المعنى ، الخير الذي يجب أن يبحث عنه لأجله وحده هو أكثر نهائية من الذي يبحث عنه لأجل خير آخر . وإن الخير الذي ليس البتة موضوعا للبحث عنه لأجل خير آخر هو أكثر نهائية من هذه الخيرات المطلوبة لأجلها ولأجل هذا الخير الأعلى معا . وبالاختصار فان الكامل والنهائي والتام هو ذلك الذي هو على الدوام مطلوب لذاته وليس البتة من أجل شئ سواه . « 5 » - لكن هاك على التحقيق الخاصة التي هي للسعادة على ما يظهر ، فإنه لأجلها ، ودائما لأجلها وحدها نحن نبحث عنها . وليس البتة نظرا إلى شئ آخر . بل على
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 190
مساهمون: أرسطو
ص١٩٠
هامش
( 3 ) - إذا كان يوجد . . . لقد عبر أرسطو عن هذا الشك عدّة مرات ، وسيعبر عنه عدّة مرات أيضا .
ولقد كان يجب عليه أن يعبر بأكثر صراحة . فان الحياة لا يمكن أن يكون لها إلا غرض واحد . فترك الناس يظنون أنه يمكن أن يكون لها عدّة أغراض فتح لباب اللاأدرية والخطأ .
( 5 ) - السعادة - يستبدل أرسطو معنى السعادة بمعنى الخير ، وهذا هو كل الفرق بين أدبه وأدب أفلاطون وقصوره عن مركز أستاذه . إنه لا يستطاع أن تعار هذه الفقرة أكثر مما ينبغي من الالتفات . لا شك في أن البحث عن السعادة ليس محظورا على الانسان . ولكن نظرا إلى أنه لا يمكن انكار أن السعادة يجوز أن يضحى بها للواجب وللخير إلا إذا كان المرء فاسد الأخلاق . فينتج من ذلك جليا أن الواجب هو أرقى من السعادة . ولكي نتخذ لغة أرسطو نقول : انه أكثر نهائية وأكمل منها . إذا أريد جعل السعادة والخير متحدين ، فلا تكون المسألة إذن إلا مسئلة ألفاظ . ومع ذلك يلزم الأخذ باللفظ الأضبط والتكلم دائما على الخير لا على السعادة حتى يتقى كل إبهام . على أن السعادة كما يحدّها أرسطو هنا تكاد لا تكون أقل إبهاما من « مثال » الخير الذي طالما انتقده على أفلاطون .