تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
وذلك نوع من القسوة الباسلة نحو نفسه ونحو الأغيار الذين يحتقرهم ، لأنه يعتقد أنه أعلى منهم ، ولأنه لا يفكر إلا في نفسه فقط في حين أنه يقضى عليها بيده . فانظر كيف يفعل الإفراط الذي لا تستطيعه إلا أقوى النفوس . ولكن الانسان ليس ملزما بارتكابه . كذلك ليس الجمود الرواقى من الحكمة في شئ ، فان المرء يمكنه أن يضيق دائرة حاجاته من غير أن يقضى على شهواته التي هي ليست عنصرا ضروريا للسعادة فحسب ، ولكنها شرط للفضيلة أيضا ، إذ أن الفضيلة لا تتحقق بغير جهاد . إن القانون الأخلاقي يأمرنا أن نقهر نفوسنا لا أن نبترها ، فمثلا فيما يتعلق بالشهوة التي هي حتمية أكثر ما يكون ، لا يلزمنا القانون بالرهينة ، ولكنه يأمرنا بالزواج . يمكن المرء أن يكون مستقلا من غير أن يلزم العزلة والإيحاش . يمكنه أن ينقص في عدد علاقاته لتصير العلاقات التي يختارها ويستبقيها أكثر متانة وأشدّ رابطة . على أن الحدّ اللازم في ذلك ليس صعب الايجاد ، ومقياسه يكاد لا يخطئ ، وهو مقياس « كنت » وإن كان قد عينه لغاية أخرى . ذلك المقياس هو الانبساط ، فان المرء عوضا عن أن يتألم للاقتصاد من حاجات الهوى ، فهو على ضدّ ذلك ، يفرح بالانتصار على الضعف الذي في نفسه ، ويرضيه أن يصغر الدائرة ليستطيع أن يتحرّك فيها بسهولة وقوّة ، ولكنه إذا تعدّى حدود الحكمة ، خلف انبساطه الألم الذي لا يلبث الحزن أن يتبعه . إن نفس الرواقى يمكن أن لا تقهر ، ولكنها غير مبسوطة ، وإن الجهد الذي تكلفه الفضيلة إياه علامة سيئة لصفائه وطهارته . فان القيام بالواجب لم يكن ليغم القلب ، بل هو على ضدّ ذلك من شأنه أن يملأه سرورا وقوّة . وربما كان « كنت » تحت تأثير ذكرى رواقية حينما نعى على الواجب « أنه ليس فيه شئ مقبول ولا مرض » لم يكن الواجب على التحقيق ليرضينا بل