تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
إن قيام الانسان على نفسه يعلمه ما يجب عليه أن يفعل ، ولكنه فوق ذلك يلزمه أن يفعل . وفي هذا الموطن تظهر قاعدة الرواقية بكل قوّتها وبكل منفعتها . وإن « كنت » يترجمها عنها هكذا : « عود نفسك شظف العيش ولا تكن عبدا » « للرغد » . ترجمة حسنة جميلة ، ولكن فيها قليلا من الإبهام . فان الشئ الأساسي انما كان هو الارشاد إلى الوسائل العملية لاقتحام محن الحياة واستهوائها إيانا . أما أنا فلا أعرف إلا طريقة واحدة فعالة وهي أن لا يخلق الانسان لنفسه من الحاجات إلا أقل قدر ممكن . فإنه كلما تمدنت العيشة ، تعقدت حاجة الفرد وتضاعفت وتشتتت النفس وضعفت في جم من الروابط الصغيرة التي تقيدها وتصغّر من أمرها ، ولقد قالوا أحيانا قولا عليه مسحة من الحق : إن المروءة عند المتأخرين كانت أندر منها عند القدماء ، فان تاريخ اليونان ورومة يروى لنا أخلاقا أكبر مما يبينه تاريخ أزماننا . لا محل للبحث عن ايضاح لهذه الظاهرة غير البساطة النسبية لعيشة القدماء ، فإنه لم تكن بالنفوس ما بها الآن من التأثيرات العصبية المختلفة التي تستهوى الآن نفوسنا وتصغّرها . بل كانت معوّقات الفضائل أقل منها اليوم ، وكانت النفوس التي يسمعها الواجب صوته أكثر عددا وأشدّ طاعة . فقد يمكن أن يخرج الانسان من الرخاوة ليلقى بنفسه في الجناية . إفراطان مع تغايرهما لا يتنافيان ، ولكن الانسان لا يمضى البتة من الترف ليصل إلى الفضيلة . وكلما قلّت حاجات الانسان زادت حريته ، وكلما نما استقلاله مع كرامته الشخصية كان أنفع للاغيار . وعلى التحقيق إن من كرم قلبه تهيأ لأن يعطى الأغيار أكثر مما يطلبونه منه . فان المرء متى طبق الواجب عمليا في كل امتداده ، علم أنه مدين للجمعية بأكثر مما يؤدّى إليها .