تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
غير أنّه لا ينبغي أن تسب المدنية بأن يعزى إليها أمر انحطاط النفوس بالضرورة وإلا كانت حراما في نظر الأدب الأبدي . وحقت مشكلات الناقمين على الانسانية أمثال « روسو » . لما أن الفضيلة هي خير الانسان فكل تقدّم في صناعته وفي علومه بؤس وبهتان إذا كان وإياها لا يجتمعان . ولكن الأمر ليس كذلك والحمد للّه ، فان مثل « كنت » وحده في أواخر القرن الماضي ( الثامن عشر ) كاف في إظهار كيف أن الانسان يستطيع أن يفهم الواجب في وسط الإفراطات المتنوّعة لمدنية أرقى ما يكون . غير أن حبائل الاستهواء المختلفة التي هي أشدّ في هذه المدنية منها في غيرها تستدعى كذلك يقظة أشدّ . وإن النفوس التي تريد أن تحتفظ بطهارتها تعاني في هذه الأيام أكثر مما كانت تعاني من قبل في هذا السبيل . لا شك أيضا أن معارفها أكثر سعة ، وأنها ان كانت خيّرة الفطرة ، فان الأخطار التي تقتحمها تكسبها قوى جديدة بدل أن تثبط عزيمتها . وعلى هذا يخطئ من يلعن المدنية من جهة أنها معوّقة عن الفضيلة . فان النفوس التي تغرق في يمّ السقوط هذه الأيام لا تلوم إلا ذواتها ، لأن وسائل الدفاع أربى نموّا على الأخطار ، ومع ذلك فان المدنية مهما يكن من فعلها ، فإنها لا تستطيع إلا أن تحسن حال الانسان لا أن تبدلها . ولما أن سهولة المعيشة غير مانعة من فنائها هرما ، يستطيع المرء دائما أن يستمدّ من تعاليم الموت المقياس المضبوط للتعلق بحطام الدنيا . إن الانسان في هذا الاستقلال الذي يكسبه بتحديد حاجاته والتسلط عليها يستهدف لتهلكتين مخوفتين هما الكبر والجمود اللذان يوشكان أن يؤديا بالمرء من حيث كونه انسانا ، ومن حيث كونه عضوا في الجمعية . فان الحكيم في مذهب الرواقيين ليس له أصدقاء ولا عائلة ولا وطن ، وانه ليرهق نفسه بأن يضعها خارج الانسانية .