بأن يفهم نفسه وأن يتعرّفها كما كان يريد هاتف « دلفوس » « 1 » . في هذا تنحصر الشجاعة الأدبية التي يتكلم عنها « كنت » والتي يضعها العامي غالبا في الفعل الخارجي . إن الفعل الداخلي هو أشق وأعسر وفي تحقيقه لا يكون أمام المرء إلا نفسه ، وإذا أمكن الانسان أن يؤمل كل خير في وجه اللّه المطلع على القلوب ، فإنه لا يمكنه أن ينتظر شيئا من الناس الذين لا يستطيعون العلم بشيء مما في الصدور . أما في الفعل الخارجي ، أي في الفعل بمعناه الخاص فالأمر على الضدّ من ذلك ، إذ يكون لدى الانسان على الأقل دافع الاحترام الذي يرجوه من أمثاله ، والذي يتحقق غالبا بتعاطى الفضيلة مهما قيل في ذلك . فان الأمل في نيل الحمد والثناء ، والتحقق من ذلك يشجع المرء ويؤيده . وأما في الداخلي المحض فليس إلا الواجب هو الذي يتكلم وينصح ، فيلزم اذن أن تكون النفس صافية شريفة حتى تقنع بمحاسن الزهادة وان كانت هذه المحاسن هي وحدها التي تتسلط عليها ، ولكنها يذهب رواؤها بمجرد ما تكلّ مجهودات النفس ، فمتى أهملت النفس زمنا ما مطالعتها ، لا تستطع بعد أن تجد فيها من الثقة واللذة ما كانت تجده من قبل . وهذا المعنى هو بلا شك ما كان يقصده الرواقيون بذلك الانتباه المستمر الذي يفرضونه على الحكيم . غير أن معرفة النفس التي لم يشتغلوا بها أصلا لا تقتضى هذا الجهاد المستمر من جانب الإرادة ، بل هي ملاحظة ألصق بالنفس من ذلك وأدق وصفا . وان « كنت » ليكمل مذهب الرواقية بكشفه الغطاء عن خفايا لم تشأ قسوة هذا المذهب أن تدرسها حق درسها . إذ يقترح على النفس الانسانية أن تتمثل القانون الأخلاقي .
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 157
مساهمون: أرسطو
ص١٥٧
هامش
( 1 ) وبهذا المعنى يفهم « كنت » الفضيلة . ر . المبادئ الميتافيزيقية للأخلاق ص 246 « تيسّو » الطبعة الثالثة . أما سقراط فلا يفهمها كذلك بالضبط في كتابه « فيدر أو الجمال » ص 9 ترجمة ف . كوزان .