وإدراك الواجب قد وضح لعقله ، وصارت إرادته من القوّة بحيث يرجو بقدر الوسع الانساني أن لا يسقط بعد ذلك أبدا . إن العادة تقوّى الفضيلة أكثر مما تقوّى الرذيلة ، وإن المثابرة على طريق الخير أيسر من التولج فيه ، ومع ذلك لا ينبغي أن يغيب عن النظر ما لدينا من الضعف الانساني ، ومهما تكن دواعي الظفر ، فلا بد لتحقيقه من تصوّر دواعي الهزيمة .
فالقاعدة الأولى للحياة الأخلاقية هي اذن مراقبة مستمرة ، لأنه إذا لم يحسن المرء فهم الأسباب التي يسعى لبلوغها ، تعرّض لخطر الزلل وان كانت نيته تبقى دائما طاهرة ، فان الانسان لا يهتدى إلى النور إلا بتمثل القانون في كل نزاهته بدون أن يمل ذلك أبدا . ينبغي أن يسأل المرء قلبه ، وأن يسبر غوره في كل أعماقه المظلمة التي لا يقفل القلب مع ذلك أبوابها عن العيون المنتبهة المخلصة ، ففي كل فعل له من الأهمية نصيب يلزم الانسان أن يسأل نفسه أين الواجب مهما كان ذلك مؤلما ، ومتى عرفه فمن المرجح أن يتبعه إذا عرف منذ زمان طويل أن يعدّ نفسه للتضحية .
يظهر على سقراط وأفلاطون أنهما كانا يعتقدان وهما تحت سلطان إحساس غلا في حسن الظن بالانسانية أنه يكفى الانسان أن يعرف الخير حتى يأتيه . وهذه القاعدة كما أسلفنا أدخل في باب الكرم منها في باب الضبط . والحق هو أن فعل المرء من غير أن يعلم ما ذا يفعل - ولو فعل خيرا - ليس جديرا بمخلوق عاقل ، بل الأليق هو أن يعلم قبل أن يعمل . وبهذا المعنى فقط تختلط الفضيلة بالعلم . ولكن من البديهي أن العلم ليس شيئا إذا كان من يعلم لا يسير وفق ما يعلم . إنه لا فضيلة حقيقية إلا بالعلم أوّلا ، وبعمل مطابق للعلم ثانيا ، وإلا فلا حاجة بالانسان إلى الاعتناء
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 156
مساهمون: أرسطو
ص١٥٦