الطاعة منذ سنيه الأولى قانون السلوك بلا تذمر ولا ضعف ، وفوق ذلك فان هذه الطريقة تهيئ له من القوى ما هو في حاجة اليه في المستقبل ، ويحسن أن يجمع له هذا الكنز من حيث لا يشعر ، فان الجهاد المستمر - الذي يجب عليه أن يقوم به ضدّ شهواته الخاصة وضدّ الظروف مهما كان موفقا - هو دائما شاق جدا ، وبديهي أن الطفل لا يتهيأ لهذا الجهاد بواسطة الرخاوة والتخاذل ، وأن ترك الولد على هواه حتى على عتبة الحياة مدرسة سوء . فإذا بقيت نفس الطفل على هذه الحال زمنا طويلا ، شق عليه بعد ذلك أن يحوّلها ليصير خادما قويا للواجب . فبدلا من أن يقوم به حق القيام ينحرف به ان لم يفرّ منه ولا تصير حريته متى بلغ سن الاستمتاع بها إلا سلسلة هروب أو استسلام وهزائم .
ولما ان الحرية في الانسان ليست إلا الطاعة لقانون العقل ، لا يخشى على نفس الطفل من أن تصير وضيعة بحملها على طاعة الأوامر المعقولة . فإنه قبل أن يستطيع عقله أن يهديه لا يجد غضاضة على نفسه من أن يتركها إلى عقل غيره يقودها ، خصوصا متى كان الآمر هو الأب أو الأم ، فهو لا يقاوم على العموم نيرا كهذا رحيما وطبيعيا إلا متى علمته العصيان سلطة هوى طاغية . إن أكثر الأطفال سلس قيادهم ، فان حياءهم وضعفهم يدفعانهم إلى الطاعة ، وأكثر ما يكون جماحهم من خطأ الأيدي غير البصيرة التي تقودهم . لقد صدق « كنت » في أن احدى النظريات الأصلية للتربية هي أن يعرف كيف يمكن التوفيق بين طاعة الإكراه المشروع ، وبين استعمال الحرّية ، فان الأمر بصدد كائن حر عاقل يراد تكوينه بالتربية ، فيكون قد أخطأ الغرض المقصود من لم يصل بالتربية إلا إلى عبد . غير أن النظرية ليست صعبة الحل كما قد يتوهم ، فإنه إذا عنى بجعل الطفل يرى مربيه خاضعا للقانون عينه الذي
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 152
مساهمون: أرسطو
ص١٥٢