إن السنوات الأولى هي السنوات الفاصلة في حياة الطفل ، وهي انما تمضى بين ظهراني العائلة . وإن المعلمين بولايتهم أمور الأطفال في السنة الثامنة يستقبلون فيهم أخلاقا قد تكوّنت تقريبا ، وعادات متأصلة في النفوس والقلوب ، بل عادات عقلية أيضا . فكل ما يستطيعون أن يؤتوهم إنما هو أشعة النور . أما المبادئ التي تسيّر الحياة الأخلاقية ، بل التي ربما تعيّن الميول الخاصة بالعمل في الحياة ، فان الانسان يكون قد تلقاها من غير المعلمين . ولو كلف هؤلاء باصلاحها - وهذا غير حاصل - لأوشك هذا الإصلاح أن يكون قد فات وقته . فالواجب على رئيس العائلة أن يسهر منذ الولادة إلى هذا الطور الثاني من العمر على أن لا يدخل أي مبدأ خطر في هذه النفوس اللينة ، وعلى أن لا تتسرب إليها أية عادة خطرة بالنصائح غير الناضجة . ولا شك في أن من أنواع العناية ما لا يستطيع رئيس العائلة أن يباشرها بالذات ، ولكنه يستطيع أن يؤثر في كل أنواع العناية بالإشراف الذي يستطيع هو دائما أن يأخذه على عهدته . وإذا جاز تقسيم الوحدة التي يكوّنها الزوجان ، جاز أن يقال : إن الأم هي مربية الولد منذ أيامه الأولى في الحياة ، وإن الأب هو المشرف عليه . وإن هذا الواجب الذي يتحلل منه كثير من الآباء من غير تفكير فيه خلافا لمنفعة الولد والأم هو المقام الأعلى . إن جميع الآباء الذين يفرّون منه هم مسؤولون عن الشرور التي يسببها مثل هذا الترك أمام عائلاتهم وأمام الجمعية .
ينبغي الالتفات إلى أن هذه المبادئ التي يظهر عليها أنها آثار عقل في غاية القسوة هي أيضا مبادئ الرحمة الطبيعية العامية . كيف لا يطبقونها إذا كانوا يعرفون أن يقولوا في أنفسهم : إن التربية الطيبة هي أكبر خير يمكن أن يسدى إلى الأولاد . وهذه القاعدة مسلم بها بصفة نظرية عامّة . أما في العمل اليومى فان الانسان ليس لديه
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 150
مساهمون: أرسطو
ص١٥٠