تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
يصير ما يستطيع أن يكون إلا متى أنمت التربية الأصول التي فطرته عليها الطبيعة . وفي هذا القدر كفاية بالنسبة للأهل . وإنهم لا عذر لهم في إهمال تربية أولادهم إلا إذا كان في إمكانهم أن يقولوا في أنفسهم : إن العناية غير مفيدة ، وليست إلا خسرانا . وهذا هو ما يقدّمونه عادة من أدلة التنصل من المسؤولية ، ولكن هذه سفسطة من قلوب مريضة تحاول أن تخدع نفسها وتخدع الأغيار ، لا حاجة بنا إلى دحضها . من المسلم به على العموم أن للتربية الأثر التام في الانسان . قلّ من يعتقدون أن التربية من قبل الوالدين واجب مفروض عليهم القيام به نحو أولئك المخلوقين الذين أعطوهم الحياة . إن نقل المرء لورثته ثروة يجوز أن تخرج من أيديهم دائما على رغم الضمانات الاجتماعية التي تحيط بها ، ليس شيئا بجانب إتحافهم بهذا الميراث الأخلاقي الذي يعلمهم التصرف بحكمة في الثروة متى وضعوا اليد عليها ، وتجديدها متى فقدوها ، والصبر عنها بلا أسف حين لا يستطيعون تحصيلها . هذه الحقيقة ظاهرة البديهية حتى من جهة المنفعة . لكن العناية الأخلاقية هي في غاية الدقة ، وإن أكثر الناس حتى أولى الألباب لا يفهمونها حق فهمها ، ويظنون أنهم فعلوا كل ما يجب عليهم متى تركوا إلى أولادهم سعة مادية طالما كدّوا في تحصيلها . أما الثروة الأخلاقية فهي عندهم كما اتفق أن تكون ، موكولة إلى الطبع والمصادفة . على أن هذه الثروة هي أقل من تلك في أمر التعلق بالظروف . وإن إرادة عاقلة ثابتة تكفى في تحقيقها للأولاد تحقيقا لا تتخلف نتائجه البتة تقريبا . ولقد أصاب « كنت » إذ يقول : « إذا تدخّل موجود أرقى منا في أمر تربيتنا ، فلسوف يرى اذن إلى أي » « مستوى يبلغ الانسان » ولكن من غير إرسال النظر إلى مثل هذا البعد ، ومن غير أن تطلب مداخلة فوق انسانية ، يمكن الاعتقاد بأن إصلاحا يسيرا في العائلات ينتج في الأخلاق خيرا محققا ، بل خيرا لا يقدر .
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 149 | أرسطو