إذا كانت النتيجة الضرورية للاعتبارات المتقدّمة هي أن المبادئ الأخلاقية لم تتغير ، وأننا في الحقيقة نجد في « كنت » ما وجدناه في أفلاطون - وكلاهما مترجم الضمير الانساني مع تغير الصور - مع كونهما في طرفي الزمان . فإذن تكون هذه المذاهب حقة ، ويكفى القلب المخلص أن ينزل في أعماق ذاته لحظة ، ليكتشف فيها هذا القانون الأخلاقي الذي أجادت الفلسفة وصفه ولم تكن خلقته ، والفضل فيه لا يرجع إلا إلى اللّه . إن دروس الحكماء وشهادة الضمير تجتمعان على صحة هذا القانون وعظمه وعدم تغيره ، ولئن كان بعض الشعوب لا يعرفه ، فإننا نعرفه معرفة لا يجوز أن يتطرق إليها الشك ، إلا أن تتسرب اليه الرذيلة ، وتريد القضاء عليه خوفا من العقاب الذي يهدّدها . فما ذا علينا أن نفعل إلا أن نتعلم اتباع هذا القانون ، لا أقول في كل قسوته ، بل في كل شدّته النافعة . كيف يتخلص الانسان في هذه الحياة وفي الآخرة إلا بتطبيقه ؟ كيف يلزم أن يعلّم الانسان تطبيقه ؟ وما دام أنه وحده من بين جميع الموجودات هو القابل لأن تكوّن التربية قلبه ، فما هو النظام الخارجي الذي يجب عليه اتباعه ، حتى يستطيع أن يسلك هو بنفسه ويهذبها .
تلك مسئلة عملية بلا شك ، ولكن العلم يفرط في حق ذاته ان لم يتعرّض لحلها ، فإذا لم يبلغ هذه النتيجة المفيدة ، أو شك أن لا يستحق درسنا ولا احترامنا .
لقد اشتغل كثيرا أفلاطون وأرسطو و « كنت » بالتربية التي يكاد الرواقيون أن يكونوا قد أهملوها إهمالا تاما . فقد خصص لها أفلاطون أجمل صحائفه في « الجمهورية » وفي « القوانين » وخصص لها أرسطو كتابا كاملا تقريبا في « السياسة » وعالجها « كنت » في « انتقاد العقل العملي » وفي « المبادئ الميتافيزيقية للأخلاق »
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 142
مساهمون: أرسطو
ص١٤٢