عظمته ولا من طبيعيته الحقيقية . ومع أنه لم يستعن لخلاصه إلا بنفسه ، لم يستطع أن يجد فيها عند اليأس همة ولا كرامة . ولكن على رغم ضلالاته العميقة لم يستطع أن يستسلم استسلاما تاما ، فإنه كان يحترم الفضيلة بما يقرّب لها من القرابين ، وبما يتزلف لها بذلك الانتحار ، وذلك ليس من الانسانية في شئ .
يرى من هذا أنى أريد أن أتكلم على المذاهب الهندية ، وعلى الخصوص على مذاهب البوذية التي ربما نعرفها الآن أكثر من الوثنية القديمة بفضل الأعمال اللغوية الباهرة التي جرت في انكلترا وفرنسا وألمانيا .
إذا كانت هذه الاعتقادات المحزنة هي من أعمال بعض فلاسفة منعزلين في غيابة اعتقادهم الشنيع ، فإنه يمكن أن نلزم عنها صمتا مزريا ، وليس على تاريخ الفلسفة إلا أن ينظر إليها نظرة احتقار . ولكن شيوعها عظيم وسلطانها نافذ جدّا . فان الأصقاع التي اعتنقتها هي آهل أصقاع الأرض ، ولا تزال تعتنقها إلى الآن بحدّة لا يطفأ لهيبها ، وكان أولى بها أن توجه إلى خير من هذه المذاهب . ان ثلث الانسانية تقريبا يسلم بالبوذية ويدين لها مشوّها بذلك جمال العقل والذكاء . فان انتقال الأرواح والفناء هما النحلتان اللتان تنتحلهما خير البقاع في آسيا ، فهما على قدمهما لا يتزعزعان ، كما أنهما على شناعتهما موضوعان للاجلال والتعظيم . وبين هذين المبدأين - اللذين هما في نظر هذه الشعوب أكثر بديهية من أن تقبل فيهما أية مجادلة - أدب رائق دقيق يحاول أن يبصّر الانسان بطريقه في هذه الحياة « وهي التي ليست إلا ركاما عظيما من الآلام » . وأن يقوده إلى غرض لا يصرف عنه شرا إلا ليوقعه في أعظم الشرور وهو الهلاك المطلق .
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 140
مساهمون: أرسطو
ص١٤٠