أن يميزانا عنهم ، لأن حدود المشابهة متقاربة جدّا ، ولأننا في الواقع نسير وإياهم على مبادئ واحدة . إن علاقات الانسان بأمثاله ، وبالطبيعة ، وبالله هي تقريبا بعينها .
إنها قد تحسنت ، ولكنها لم تتغير البتة . فان الانسان في كل زمان يعتقد أنه وجد ليسخر الطبيعة التي هو سيدها ، وليعبد اللّه الذي خلقه ، وليتمتع بالحرية التي خلق لها .
ولكننا كلما جوّدنا العلم بالماضي السابق على الجاهلية والذي ربما تولدت هي عنه ، شاهدنا أن الاعتقادات الأدبية - التي اعتبرناها ملكا للانسان على الشيوع - هي الميزة الخصوصية لنا ولآبائنا . فان من الآثار الصحيحة المقدّسة ما يدلنا على أن لبعض الأمم الموصوفة بالذكاء اعتقادات ليست أقل من اعتقاداتنا من حيث كونها نتيجة فكر وتدبر ، ولكنها مخالفة لها جدّ المخالفة . إن تلك الأمم قد درست هذه الموضوعات الجدية بقدر ما درسناها نحن واليونان ، وإن المؤلفات التي أودعوها اعتقادهم تجل عن الحصر وهي تناقض بين المناقضة المبادئ التي يظهر لنا أنها أساسية جدّا وبديهية للغاية ، فإنهم أنكروا كل شئ ، بل جهلوا كل ما بين أيدينا الآن من الحقائق الثابتة كشخصية الانسان ، والحرّية ، وتجرّد الروح ، ولطفها ، ومستقبلها ، وما قدّر لها وهو عندهم ليس إلا العدم الذي منه خرجت واليه تعود ، جحدوا وجود اللّه الذي لم يخطر لهم على بال بحسب الظاهر من أمرهم ، والذي لا يجدونه ضروريا لفهم الطبيعة التي يخافونها ، ولا العقل الذي ينكرونه ، ولا الحياة التي يكرهونها . بعد التفكير الطويل لم يكن يبلغ الانسان حدّ أن يميز بين ذاته وبين المادة التي يعيش في وسطها ، فتنزّل إلى مستوى البهيمة ، بل إلى أنزل منها ، مختلطا بالعناصر المشوّهة المجرّدة عن كل نظام ، واعتقد نفسه خاضعا إلى مسخ مؤلم لا نهاية له تحت ضغط ضرورة لم يجرؤ أن يطلق عليها أي اسم كان . فلم يشعر بشيء لا من قوّته ولا من
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 139
مساهمون: أرسطو
ص١٣٩