لا يحسن بنا الوقوف كثيرا على هذا المشهد المبئس ، وإنه ليعتبر سبة للمذاهب التي ذكرناها أن نضع إلى جانبها ولو على سبيل التقابل لوحة مفصلة قليلا لهذه النحل الساقطة . ولكنه يحسن أن نأتى على هذه الذكرى مهما كانت مؤلمة ، لكي يحسن تقدير الأشياء ، لأنها تتمايز بأضدادها . فيلزم أن نتذكر أنه إذا كان التمدّن قد وقف عند الحدّ الضئيل الذي وقف عنده في آسيا ، وإذا كان لم يستطع البتة أن يؤلف جمعيات حقيقة بالانسان ، وإذا كان على ضدّ ذلك قد ارتقى بين ظهرانينا إلى هذا الحدّ الذي هو عربون على ارتقاء أزهر . إذا كان كل ذلك ، فإلى المعتقدات الأخلاقية تنسب هذه النتائج عجيبها وشنيعها ، الحقيق منها بالاحترام أو الجدير بالشناعة . فإلى أي علا لم تصل هذه المذاهب التي فتحت علينا أبواب النعم ! وأي اعتراف بالجميل لا يجب على الانسان لهذه النفوس فوق البشرية التي كشفت الستار عن هذه الأسرار الشريفة وهتكت حجب تلك الظلمات ! وإذا كان بعد أكثر من ألفي سنة لا نزال نراهم أكفاء لتعليمنا على الرغم من كل ما تعلمنا ، فأي إجلال لا ينبغي لنا أن نسديه إلى هؤلاء المربّين لقلوبنا وملكاتنا ! إن أغريقية هذه الأم الطيبة قد عملت لإصلاح نفوسنا أكثر مما عملت لإصلاح عقولنا . فإنها شاطرت في تكوين أخلاقنا أكثر من مشاطرتها في تنوير أفهامنا . إننا نحن أولادها الشرعيون مع أننا نسّاءون لها ، وأحيانا ميالون إلى انكارها . ولكن اليوم الذي فيه - بفرض المحال - نفقد ميراثنا الأخلاقي عنها ذلك يوم الشنار والخراب . لقد كان حسبي أن أقف بالكلام عند دراسة مذهب « كنت » لولا أنى أرى من الضروري أن أردف مذهبه بذكر بعض نتائج عملية ربما كانت مفيدة لعصرنا هذا .
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 141
مساهمون: أرسطو
ص١٤١