وختمته بخاتم اللّه ؟ ينبغي أن تعترف حكمة عصرنا هذا بأن كل ما لدينا مغترف من بحر الفلسفة اليونانية ، وأن اغريقية نفسها التي هي من وجوه عدّة مستحقة لشكر العقل الانساني ليس لديها أدب أجمل ولا أطهر من هذا الأدب . وليس من شأن هذا الاعتراف أن يخجلنا ، فإنه لا ينقص شيئا من قيمتنا التي زادتها المسيحية ، ولكن من الواجب الذي يحتمه علم الأخلاق أيضا أن يجزى بالشكر جزاء وفاقا ذلك الذي أوجده . قد يأثم المرء بأن يتمتع بثروته دون أن يفكر أحيانا فيمن كان مصدرها ، ويضاعف ذنبه عظم الخيرات التي نسيها . إن الاعتقادات لتؤثر في الجمعيات كما تؤثر في الأفراد سواء بسواء على الأقل . وإن التمدّن الحديث الذي يحق لنا أن نفخر به لا يكون ما هو إذا لم يفكر أبدا في طبع الانسان وفي كرامته وفي واجباته وفيما قدّر له على مثال ما فكر أفلاطون . وإذا نظرنا إلى الأشياء عن كثب ، سهل علينا أن نكتشف بين الأفلاطونية وبيننا اشتراكا تاما في الاعتقاد ، وحسبنا للاقتناع بذلك أن نقرّب « كنت » ممثل زماننا من سقراط ممثل زمان « بيركليس » .
ما دام تاريخ العقل الانساني لم يصل إلى ما وراء الزمن القديم الوثني فإنه يوشك أن لا يمكننا من أن نقدّر تقديرا عادلا قيمته وقيمتنا نحن الذين هم ورثته مباشرة . ونظرا إلى أننا قد اعتدنا أن نعيش في هذا الجوّ الصحو ، ظننا بحكم هذه العادة الطويلة أنه لم يكن البتة من قبله زمان غيره ، وعلى رغم الفروق التي أريد أحيانا تقريرها بين المسيحية وبين الوثنية ، قد أحسسنا بواسطة العقل والذوق والأدب أننا جميعا من عائلة واحدة .
ففيما عدا التقدّم الذي أتى به الزمان ضرورة في الأجناس التي نحن منسوبون إليها ، لا نكاد نعرف فروقا بيننا وبين القدماء . إننا لا نزال نعيش عيشهم . ومهما اجتهدنا في أن نقارن بيننا وبينهم ، فان كبرنا وتواضعنا كلاهما على السواء لا يستطيعان بعد لأي
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 138
مساهمون: أرسطو
ص١٣٨