علم الأخلاق بالمعنى الخاص وعلم الحقوق طائفا بعض الطواف بالسياسة . فهو على ذلك قد حاول فحص علم الأخلاق فحضا دقيقا في أبعد أصوله ، وفي مبادئه الخاصة ، وفي نتائجه . واستمر يتعاطى قصدا هذا العمل الطويل في مؤلفات عديدة من غير أن يتحوّل لحظة واحدة عن موضوعه ولا عن قصده . وقد نجح في أن جعل علم الأخلاق علما كاملا ، وأكسبه من بعض الوجوه ضبطا شافيا ما كان به من قبل ، ولم يكن ليظهر أنه خليق به عند بعض العقول المتعصبة على رغم هذا المثل القاطع .
ومع أنه أسسه على قواعد منهارة في لا أدرية « العقل المحض » فإنه قد رفعه إلى أوج لا يمكن إنزاله عنه ، ثم وضح قانون الواجب التوضيح الذي كان بحاجة اليه . ولقد كان في الامكان أن يجعل هذا الايضاح سهلا وأشدّ بهاء ، ولكن ليس في الامكان أن يجعل هذا الايضاح أشدّ قوّة . إن في أسلوب « كنت » من التقعر والقبح ما ليس سائغا حتى عند المعلمين . ولكن هذا الأسلوب الانشائي الذي يضر بنشر الحق ربما كان ضروريا لعبقريته في اكتشافه . وإذا وضعنا جانبا محاورة أفلاطون لما بها من رفعة الأسلوب ورشاقته ، وجدنا أن أسلوب أرسطو خير من أسلوب « كنت » فلو أن « كنت » سلك طريقة غير هذه وكانت بالطبع تكون متكلّفة ، لكان يخشى أن لا يكون هو ما هو . فإنه هو وحده الذي يعلم الأدب حقيقة ، في حين أن الآخرين إما يقرّرونه وإما يوحون به . وإنها لدراسة شاقة حقيقة يجشمنا إياها ، ولكن الموضوع يساوى هذا التعب . فان من أخذ الأدب على منهاجه لا يأسف على أخذه ، وإن الجزاء الذي يصيبه يفوق كثيرا المشقة التي بذلت فيه .
انتهى بي الكلام على « كنت » .
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 135
مساهمون: أرسطو
ص١٣٥