إلا التوافق بين العقل العملي وبين مذهب معين « 1 » . وقد صفّق طربا « كنت » لنفسه إذ لم يدخل الدين البتة في علم الأخلاق كما يفعل غيره عادة . في مذهب أفلاطون وفي مذهب « ديكارت » أنه إن كانت هناك مسئلة تتعلق ضرورة بالفلسفة ، فهي مسئلة وجود اللّه . ولقد وقف كلاهما كل قدرة عبقريته على إيضاح هذه الحقيقة التي هي علة كل العلل الأخرى . أما « كنت » فإنه بفضل تحرّجه المنطقي المحض ، بل ربما بفضل حبه للشذوذ عن الطرق المسلوكة لم يتبع هذه الحكمة ، بل يرفض بديّا حق العقل المحض في أن يعرف اللّه . وينكر في « ما وراء الطبيعة » هذا الأصل الأساسي الذي اختلط في ذهن « كنت » بأصل وجودنا الخاص وبأصل فكرنا الخاص . ثم ظن « كنت » في معرض العقل العملي أنه يستطيع أن يتمشى إلى أن يجعل وجود اللّه أمرا مسلما ، أو بعبارة أخرى أمرا فرضيا ضروريا للايضاح المنطقي لمفهوم أخلاقي . أعنى أن « كنت » الذي لا يجرؤ أصلا أن يجزم بوجود اللّه باسم العقل النظري لم يجزم إلا بوجود معقوله باسم « العقل العملي » . فالله اذن مجرّد معقول لا يحمله الانسان في نفسه وإنه يوجد لحاجة وفاق الانسان مع نفسه . ومتى ردّ اللّه إلى هذا الحدّ لم يكد يكون له أي حق في عبادة الانسان إياه . ومن ثم تعرف كيف نفى الفيلسوف من العلم اللاهوت بتمامه على رغم أمثلة أسلافه الشهيرة . عبث أن يطلق « كنت » اسم الدين على مجموع جميع الواجبات التي يفرضها اللّه على الانسان ، أو بعبارة أولى - ليبقى متمشيا مع نظرية الاستقلال - الواجبات
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 130
مساهمون: أرسطو
ص١٣٠
هامش
( 1 ) وقد وضع « كنت » هذا التوافق في كتاب خاص « الدين في حدود العقل » ترجمه إلى الفرنساوية المسيو « ترولار » وقد ترجم المسيو « بويى » و « لورتى » مختصره المنسوب أيضا إلى « كنت » .