قد وضع المثل الأعلى للصداقة في موضع من السموّ بحيث لا يكاد يصدّق أنها ممكنة في الواقع . ويهزأ بالكتاب الرومانيين الذين يذكرون أمثلة « أوريست » و « پيلاد » و « تيزيه » و « پيريطووس » على أنها خير الأمثلة ، ولقد كنت في غنى عن التنبيه على هذه اللاأدرية التي هي فوق ذلك تشف عن كره الانسانية لولا أن « كنت » استند إلى حديث مزعوم لأرسطو : « يا أصدقائي الأعزاء إنه لا يوجد أصدقاء أبدا » في حين أن أرسطو لم ينطق البتة بمثل هذا الكفر . وإن كتابين من علم الأخلاق إلى « نيقوماخوس » هما على متناول اليد لتكذيب هذه الفرية التي ينسبونها اليه . وكل ما قال أرسطو هو أنه إذا كان للمرء أصدقاء كثيرون فمعنى ذلك أنه ليس له صديق واحد حقيقي « 1 » ، وإن الذي حدا « بكنت » إلى هذا الزعم هو خطأ في الرسم في النسخة اليونانية . خطأ يغفره علم اللغة بسهولة ، ولكن علم الأخلاق لا يستطيع أن يتساهل إلى هذا الحدّ ، فان « كنت » - وقد اعتزّ برأي أرسطو الذي لم يكن من شأنه عادة أنه يعطيه من الاحترام ما أعطاه هذه الدفعة - قد حاول أن يثبت عدّة ملاحظات ظنها لا تقبل التفنيد لإيضاح أن الصداقة مستحيلة استحالة مطلقة تقريبا . إن الصعوبات التي بيّنها واقعية ، ولكنها مع ذلك ليست مما لا يذلل ، ولقد كشفت لنا تجارب الحياة في غالب الأحيان عن صداقات مخلصات لا تدع محلا للشك في أمرها . وكل ما تثبته أقوال « كنت » أنه هو ذاته لم يكن بحسب الظاهر أهلا للصداقة ، وأنه إما لبرودة في نفسه ، وإما لسوء ظن مبالغ فيه لم يتخذ أصدقاء أمناء . وهذا استعداد خبيث بالنسبة لعالم أخلاقي من شأنه أن يحجب عنه أحلى أجزاء الموضوع الشريف الذي يدرسه وأكثرها تعزية .
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 127
مساهمون: أرسطو
ص١٢٧
هامش
( 1 ) أرسطو . الأدب إلى أوديم ك 7 ب 12 ف 18