وعلى هذا يكون رأى « كنت » في الانسان أنه غير قابل للجمعية ، في حين أنه مقدر عليه أن يعيش في الجمعية . ولقد كان الأقدمون وعلى الخصوص أرسطو أغزر حكمة ، إذ قالوا على الضدّ من ذلك : إن الانسان كائن مدنى وسياسي بالطبع ، فمن أين « لكنت » عدم قابلية الاجتماع الذي يتهم به نوعنا الانساني ؟ لا شك أنه رأى الانسان الذي هو ميال بطبعه إلى أن يفتح قلبه لأمثاله يخشى مع ذلك أن يأتمنهم على أسراره خوفا من أن يسيئوا استعمالها ضدّ شهرته أو طمأنينته . ومن الجائز أن يكون لهذا الفيلسوف - وهو تحت الحكومة التي كان تحتها ، وفي الجمعية التي كان يعيش فيها - أسباب جدية حملته على أن ينصح بالتبصر والتحفظ ، ولكنه كان أخلق بنفسه الكبيرة أن يترفع عن هذه العوارض الحقيرة ، وأن لا يصم الطبع الانساني بهذه الوصمة التي لا تلصق بحق إلا بزمن معين أو بلد على وجه التخصيص . ومما لا ريب فيه أن « كنت » يكون قد أطاق روابط اجتماعية كان مضطرا لأن يرعاها في وسط ربما كان غير لائق به ، فاستدرجته بوادر ظنون شخصية ، فألصق بالطبع الانساني ما لم يكن إلا ضرورة خصوصية لمركزه الخاص . ومهما كان رأى « كنت » في الانسان فإن الانسان ليس غير قابل للجمعية حتى على المعنى الذي يقصده . وغاية الأمر أنه في بعض حكومات معينة ، ومع أشخاص معينين ينبغي للمرء أن يعرف أن يسكت إذا كان يهمه أمر راحته ، وإذا كان الواجب لا يأمره أن يلقى بنفسه في خطر الصراحة .
فانظر كيف شك « كنت » في الصداقة وربما كان محروما منها لسوء الحظ .
أما الملاحظة الخاصة بالدين فهي أكثر خطورة .
يزعم « كنت » ان علم الواجبات نحو اللّه خارج عن الفلسفة الأخلاقية ، واعتقاده في ذلك متين إلى حدّ أنه قد كرره في موطنين أو ثلاثة مواطن مختلفة بغاية الشدّة .
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 128
مساهمون: أرسطو
ص١٢٨