ولإتمام تقدير الخدم التي أداها « كنت » إلى علم الأخلاق يلزم تقدير مؤلفين كبيرين يحتويان على تطبيق النظريات الواردة في المؤلف الأوّل . وهما : « المبادئ الميتافيزيقية للأخلاق » و « المبادئ الميتافيزيقية للحقوق » . وإني لن أطيل البحث في هذين الأثرين على الرغم من مكانتهما من الاستحقاق . ولكنه يكون من الظلم السكوت عنهما ، لأن في ذلك تقصيرا عن معرفة عبقرية « كنت » حق المعرفة . وعلى ذلك سنلاحظ بعض ملاحظات عليهما .
أما تبويب هذين الكتابين سيّما أولهما فهو على غاية من الإحكام . تقسيمهما واضح وأسلوبهما مضبوط ، وبصرف النظر عن بعض الصيغ فان قراءتهما سهلة نوعا بشرط أن يكون للقارئ إلمام سابق بنظريات « كنت » . وفيما خلا المعاني التصورية المحضة فإن أفكار الفيلسوف تصير أوضح وأفيد عندما يعالج المعاني المرتبطة بالحقائق الواقعية . إنه يعلم حق العلم المادة التي يقررها ويعرف أن يجعلها قريبة التناول لجميع العقول المنتبهة مهما كان شأنها من التعمق . وإنه ليكثر في هذين المؤلفين من جهات النظر الجديدة والفجائية . ولم تكن عبقرية « كنت » تظهر في أجلى حصافتها ، وأتم دقتها ، وأسدّ نظامها بمثل ما ظهرت به في هذين المؤلفين ، وإنه ليحسن الإشباع في هذا الثناء الذي يندر أن يوجه إليه . فان « كنت » مبدع غير مقلد في كل ما وضعه من علم ما وراء الطبيعة ، ولكن كم يصادف المرء من المتاعب في سبيل تتبعه وتفهمه ؟ وكم من المتاعب عاناها هو نفسه في سلوك سبيله لعدم اهتدائه بعلم البسيكولوچيا الذي هو الهادي الحقيقي ! وليس الأمر كذلك هاهنا بل على العكس ، فان أستاذ « كونيكزبرج » ولو أنه قليل الاختلاط بالناس ، وأنه ليس حقوقيا بمهنته ، قد نفذ في أسرار القلب الانساني ، واطلع على المشكلات
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 125
مساهمون: أرسطو
ص١٢٥