المؤلف والمشروع العام لعمله الحقيق بالإعجاب . فان « كنت » قد بحث - بعد أفلاطون ومن حيث لا يشعر أنه يقلده - فيما هي الفضيلة في النفس الانسانية في ذاتها وفي صفائها الثابت . وقد درسها هو أيضا « بعيدا عن أعين الناس والآلهة ومن غير وقوف عند الرأي ولا عند الظاهر » ودفع هذه الدراسة الصعبة إلى أعماق يظهر أنه لم يجرؤ أحد إلى الآن على أن يصل إليها . فقد احتبس وحده مع العقل الذي اتخذه بدل الضمير في هذه « اللابيرنت » التي يعرف كل مسالكها . وإن الخيط الذي يرسله يظهر عليه التعقد أيضا ، فلا يسهل اقتفاء أثره المظلم في غالب الأحيان .
ولكن التطبيق الذي يأتي به لإظهار مطويّاته جذاب هام . فإنه لا شئ من أفكاره حتى الخفىّ منها وحتى حيرات مذهبه إلا استرعى أنظار قرائه وأخذ بقلوبهم ، ومن هذه لسياحة يرجع المرء وهو يحمد سراه إن لم يكن لأنه سلك خير طريق وأقصره ، فعلى الأقل لأن نفسه قد امتلأت باحترام من كان يهديه في هذه السياحة . بل يعود المرء رغما عما في هذا الطريق من الشوك بشيء من صفاء القلب الذي يشعر به الانسان عند رؤية شئ جميل ، أو على أثر فعل جميل . فان المرء يتمتع بمشاهدة الفضيلة ، إن لم يكن في اللوحة التي رسمها « كنت » فعلى الأقل في روح « كنت » عينه التي هي أحسن كثيرا من تلك اللوحة قليلة الضبط أحيانا . وبهذا المعنى يستحق « انتقاد العقل العملي » كل ثناء . فإنه لا شئ يعادله في مؤلفات العقل الانساني إلا المحاورات الكبرى لأفلاطون ما عدا ما هي عليه من الرشاقة السامية التي لا يطاولها فيها مؤلف .
ولم يوفق الواجب إلى أن يكون له داع خير من « كنت » . كذلك الفضيلة إذا وجدت قلما ماهرا لتصويرها ، فإنها لن تجد عقلا أرجح من عقل « كنت » لفهمها ولا قلبا أطهر من قلبه ليحببها إلى الناس .
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 124
مساهمون: أرسطو
ص١٢٤