ويظهر أن هذا هو مصدر وهمه . أجل إن من الحق أن العقل إذا رجع إلى نفسه بلا تحيز ، رأى بين الفضيلة وبين السعادة ارتباطا ضروريا ، وأن هذا الارتباط مع ذلك لا يمكن تحقيقه في هذه الحياة الدنيا . حق أن الفضيلة يجب أن تكافأ ، وأن عدل اللّه لا يخطئ ، ولكني أقول : إن تلك نتيجة لا تخص الانسان البتة ، بل يجب عليه أن يترك أمرها إلى قضاء القاضي الأعلى . ومن الافتيات بوجه ما على قدرته تعالى قصد الانسان إلى أن يرتب تلك النسبة العادلة بين الفضيلة والسعادة ، فالله وحده هو الذي يعلم سرها . والظاهر أن « كنت » لا يطعن على الحياة ولا على الدنيا كما تفعل النفوس الضعيفة غالبا . ولما كانت الفضيلة لا تأبى التبصر كانت في نظر « كنت » غير تعيسة في هذه الحياة الدنيا بالضرورة . حينئذ لا تكون مسئلة الخير الأعلى كما وضعها مسئلة عملية ، وانما هي مسئلة نظرية محضة . إنها في الفلسفة اليونانية مفهومة أكثر ، لأن الخير الأعلى كان معتبرا أنه الغرض الاسمي للحياة ، وكان يظهر أن من الحسن تحديد هذا الغرض للانسان الذي يجب عليه أن يجعله قيد نظره كهدف النبّال الماهر « 1 » . ولكن متى فهم القانون الأخلاقي كما فهمه « كنت » واتّخذ المبدأ الغائى للإرادة ، لزم أن تترك السعادة إلى ما تكون ، أعنى نوعا من العرض الموافق الذي يتعلق بعضه بنا في هذه الحياة ، وبعضه يلزم أن نفوّض أمره إلى عدل اللّه واحسانه . إن نظرية الخير الأعلى في مذهب « كنت » مهما ظهر من فسادها ، فإنها ضرورية لا صارف عنها ، لأنه بدون الخير الأعلى يكون مضطرا إلى ترك خلود الروح ، ووجود اللّه ، فإنه هو المنقذ الوحيد الذي لجأ اليه في الخلافات الخيالية التي افترض
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 122
مساهمون: أرسطو
ص١٢٢
هامش
( 1 ) أرسطو - الأدب إلى نيقوماخوس ك 1 ب 1 ف 17