امرا واقعيا . واذن ما هي ؟ أليست الحرية شيئا آخر إلا هذا ! فنحن اذن لا نبلغها إلا بالفكر المنطقي ! بدون مقتضيات منطق متحرّج تبقى الحرية مجهولة لنا ! اللهم إنا لا نستطيع تصديق ذلك . إلى هذا الحد وصل الفيلسوف الذي يدعى إصلاح علم ما وراء الطبيعة ( الميتافيزيقا ) كله وانتشاله مما أصابه من الإفلاس ! تلقاء هذا الواقع من أمر الحرية الواضح الذي يشهد به الضمير بشهاداته الثابتة التي لا يأتيها الباطل من أية ناحية ، يغمض « كنت » عينيه عن النور وينغمس في غيابات الدقة المنطقية . أفلا يرى حينئذ أنه يعرّض للخطر الإرث الأصلي الذي ورثته النفس الانسانية ، وأنه يفسد القانون الأخلاق بأسره . إذا كانت الحرية لا توجد إلا بمقتضى الفكر ، فهي وشيكة أن لا توجد . لأن كل فكر محل للنزاع و « كنت » لا يدّعى العصمة . ولو أنه بعد أن قرّر بادئ الأمر وجود الحرية ، كان قد وضح أن وجود الحرية منطقيا ليس أقلّ ضرورة منه في الواقع ونفس الأمر ، لكان بذلك مفهوما . أمّا وقد آثر في مسئلة كهذه أن يجيب إجابة عقل متخاذل دائما ، أمام نداء هذه الغريزة التي يريد مع ذلك آنفا أن يكلفها بسعادتنا ، فذلك خطأ طويل عريض .
وفوق ذلك يكون إغراقا في أهمية العقل المحض أن يعطى خاصة أن يخلق ما هو من خصائص اللّه وحده . والأولى بموافقة الشعور العام أن يترك إلى اللّه وحده خلق ما هو فوق الانسان . تكون الحرية لمّا تولّد بعد إذا كان يتعلق بنا وحدنا أن نخلقها بعمل من أعمال عقلنا . ألا إنه يجب الاعتراف بأنه تلقاء هذه الضلالة الأخلاقية التي وقع فيها الفيلسوف ، قد انتقمت البسيكولوچيا لنفسها من الاحتقار المقصود الذي أظهره نحوها . ولا يدرى لأي خوف تافه من التجريب أراد « كنت » أن لا يسائل الضمير . فلم يرد أن يتوجه إلا إلى العقل المخلّص من كل شائبة تجربة .
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 114
مساهمون: أرسطو
ص١١٤