مع أنها ملحة بيانية لا تجد تعبيرا واحدا بارز الجمال ولا لامع الرواء ، بل المجموع فقط هو وحده الذي يأخذك بعظمته وجماله ، ان فيه روعة من جلال السكوت الذي يغشى ذلك المريء الذي يصفه ، كما أن فيه قوّته وقناعته .
أضيف إلى ما ذكرت أنه لا يكاد يتفق لكاتب أن يرسم لوحات عجيبة كهذه دون أن يكون هو نفسه محلا لشئ من هذا الاعجاب الذي يجوّد هكذا في وصفه ويثيره في نفس غيره . وعلى رأيي أن هذه اللوحة التي خطها قلم أرسطو تصويرا للمرىء من شأنها أن تشفّ عن سموّ نفسه سموّا كبيرا . إني لشدّ ما أعتدّ بعبقريته ، ولكني في هذا المقام أراني أقع على ما انطوى عليه قلبه ، فإني لا أحسب امرأ يمثل هكذا بلا تكلف عظم النفس إلا إذا كان لشخصه من هذا العظم حظ عظيم .
ومهما يكن من إكبارى لروعة الكاتب ، فإنها تتضاءل أمام عيني في جنب ما أرى من الصفات والاحساسات التي لا بد من أن تكون له ما دام أنه يحصلها هكذا بالضبط الكامل . ولا ريب في أن أرسطو لم يكن به من الصلف ما يجعله يتخذ نفسه مثالا ، ولكنه حقيق بأن يكون ذلك المثال .
بعد تحاليل بعض الفضائل الخاصة أطرق نظريتين كبريين فيهما يظهر أرسطو تمام الظهور : وهما نظرية العدل ونظرية الصداقة ، طرقهما أفلاطون من قبله ، ولكن أرسطو أفاض في إيضاحهما إلى حدّ أنه يمكن القول بأنه قتلهما بحثا ، فلم يبق بعده بقية .
وإني لأحسب أنه يستطاع أن يسند اليه الفضل في أنه هو أوّل من ميز جليا بين الجهتين الأصليتين للعدل ، الجهة المسماة بالعدل السياسي أو البرّ ، والأخرى المسماة بالعدل القانوني ، فالأولى هي التي تدبر توزيع الحقوق والأموال والسعادات بين
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 91
مساهمون: أرسطو
ص٩١