تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
من الجهة النظرية متى عينت حدودها ، وأما من الجهة العملية فإنها قاعدة نفيسة للسلوك متى كان للانسان من القوّة ما يكفى لتطبيقها . غير أنه لا يكفى المرء معرفة أركان الفضيلة ومميزاتها وأنواعها المختلفة ، بل الواجب عليه أن يعرف على الأخص أنها إرادية وأنها لا تتوقف إلا عليه . سبق بنا أن رأينا أن نظريات أفلاطون على الحرية لم تكن مرضية وأنه جعل هذا المبدأ الأساسي غامضا بتطرفه في التفاؤل بالانسانية . أما أرسطو فعلى الضدّ قد أبانها واضحة كالنهار ، وأقام عليها كثيرا من البراهين . فهو لا يقبل البتة قاعدة أفلاطون التي هي أن الإثم غير إرادى ، ودحضها بجميع البراهين التي يمكن أن تبين بطلانها . وقد عنى فضل عناية بإيضاح ما يسمى بالإرادى واللاإرادى ، وميّز في الفروق الدقيقة بين الإرادة والقصد ، والايثار والتدبر ، وأشهد عليها وجدان الانسان الذي يجده في كثير من الأحوال أنه العلة فيما يصدره من الأفعال ، وأشهد عليها أيضا الذوق العام الذي يحترم بعض الأفعال ويحتقر بعضها ، وأشهد عليها كذلك سنة الشارعين الذين يعاقبون أو يعفون ، تبعا لما إذا كان لإرادة المذنب الحرة دخل في الفعل أو لم يكن لها دخل فيه . وبالاختصار قد جعل للحرية نظرية ان لم تكن كاملة ، فلا أقل من أنها واسعة جدّا . فهي أوّل نظرية في التاريخ ما دام أن أفلاطون لم يضع إلا إجمالا ناقصا . ومن التباين الغريب أن أرسطو لم يستنتج من نظريته النفيسة من النتائج التي تحتملها ، أكثر مما ترك أفلاطون ينجم عن نظريته المضطربة الرديئة من الأخطار التي تستطيع أن تنتجها . فإن أرسطو لم يتساءل عن مصدر هذا الامتياز الاستثنائي الذي منح إياه الانسان ، ولم يصعد البتة عاليا ليقف على كنهه . ولم يكن ليرى