تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
المجرّدة والمرافقة والمزاملة ، إلى إحساسات الآباء والأولاد ، بل حتى اخلاص الوطني إلى وطنه . ومما يحسن التنبيه اليه أن الأمم المسيحية التي نمت عندها المشاعر التي من هذا القبيل نموّا كبيرا ، ليس لديها تعبير عام يشملها جميعا ، ويدل عليها من جهة القدر المشترك بينها . ولست أؤكد أن اللغة اليونانية أغنى من لغاتنا ، ولكن لسان أرسطو أغنى بكثير . هذا هو كل ما يلزم أن تعنى به الصداقة على ما يراه وما يتبعه في درسه . لقد جدّ بادئ بدء في بيان أهمية الصداقة في حياة الأفراد ، بل في حياة الممالك أنفسها . فان الانسان كائن مدنى إلى حدّ أنه لا يكاد يعيش إلا محوطا بكائنات يحبها ويكون محبوبا لديها . أما المملكة فإنها لا تقوم لها قائمة إلا إذا كان بأفرادها هذه الرعاية المتبادلة بعضهم لبعض ، تلك الرعاية التي هي أيضا من الصداقة وهي عربون الوفاق الاجتماعي . ولشدّ ما يساعد الحبّ على إقامة العدل ، بل كثيرا ما حلّ محله وسدّ من نقصه ، ولكن العدل لا يمكن أن يحل محل الحب . فالصداقة على ذلك ضرورية في الجمعيات البشرية ، على أن لها من الجمال والشرف بقدر ما هي عليه من المنفعة ، وربما أمكن أن تشتبه بالفضيلة نفسها في غير قليل من جهات النظر . وهذا هو الذي يوجب الكلام عليها في كتاب الأخلاق . وليس للصداقة إلا أسباب ثلاثة : الخير ، واللذة ، والمنفعة . فالصداقات المبنية على المنفعة واللذة تتغير بتغير القواعد التي أسست عليها ، تودى بها لذة أكثر حدة ، أو منفعة أشدّ لزوما ، كما ولدتها أمثالهما . أما الصداقات المبنية على الفضيلة فان بناءها لا يتزعزع . وإنها لأندر الصداقات وأبطؤها تكوّنا . فإنه لا بد من الزمان الكافي لتعارف الصديقين وتقدير كل منهما قيمة صاحبه ، ولكنها متى توطّدت أركانها باحترام متبادل وتجاريب جدية لا تتغير بعد ، بل تبقى على الدهر وعلى الغيبة وعلى النميمة . وفي الحق أن الصداقة