ضيّق دائرة بحثه ليجعله أكثر بهاء . ولكن العلم لا تلائمه هذه المنازع التي تنزع إلى الاغراق في بديع البيان ، بل انما هو يؤثر أن يطلب قبل كل شئ صورة الانسان على أن يلتمس صورة قرن مهما كان عظيما ، أو صورة جمعية مهما بلغت من التربية والظرف . وليس في لوحات أرسطو الأخلاقية ما يشفّ عن العصر الذي كتبت فيه ، ولا عن الأمة التي كتبت لأجلها . بل هي تمثل من الطبع الانساني جهتيه الأعم والأبقى . ولما أن هاتين الجهتين ليستا من الصبغات المتغيرة ، ظلت لوحات هذا الفيلسوف جديدة ، كما لو كانت من صنع أمس . فلم يتسرّب البلى إلى تلك الصور التي ليست خاصة بأهل آتينا ، ولا بنا نحن ، بل ولا بأعقابنا . فان وجوهها النضرة الخالية من القطوب والتشوّه غير قابلة للذبول . فهي كالحق ليست محلا لأن يعتريها الفساد .
ولقد كان في استطاعتي أن أورد هنا تحاليله للشجاعة وللاعتدال وللسخاء وللأريحية . . . الخ . غير أنه إذا أريد الوقوف على أسلوب أرسطو ، وجب أن يطالع على الأخص الباب الذي رسم فيه صورة المريء . فإنه لم يكتب أبسط ولا أسمى ولا أكثر موافقة للطبع منه . في هذه اللوحة التامة لم يترك البتة مرتبة من مراتب الفروق المهمة الواقعية إلا ذكرها ، فليس فيه من التقاسيم إلا ما له قيمته وغرضه ، فإذا وفق المرء في حياته لأن يصادف نفسا من تلك النفوس العليا ويمتحنها على مهل ، أخذته الدهشة من إحكام ذلك التصوير الشريف . فلم يفرّط هذا الفيلسوف في شئ حتى هيئات المريء الجثمانية لم تعزب عن نظره ، والظاهر أن شيئا من الأصل قد انتقل إلى هذه الصورة بحكم التقليد اللاإرادى ، فان أسلوب أرسطو فيها به من المتانة والقوّة والصحو ما بالمريء نفسه . على أن به مع ذلك أيضا شيئا من التساهل وعدم المبالاة اللذين هما من صفات المؤلف . فإنه لا يشتغل البتة بالتفاصيل . وفي هذه القطعة
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 90
مساهمون: أرسطو
ص٩٠