تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
أن حريتنا في أفعالنا تجر إلى المسؤولية فيما بعد الموت ، وأن استعمال هذه الملكة العجيبة يقتضى حتما قاضيا ساميا يقدّر قيمة هذا الاستعمال . بل اقتصر الفيلسوف على التمسك بالظاهرة التي لا جدال فيها والتي يشهد بها الوجدان ، دون أن يسبر غور مصدرها ، ولا أن يحاول كشف الستر عن غايتها . وذلك إحجام فوق ما ينبغي . ولا شك في أن هذا الاحجام أو التوقف الذي ربما يسمى تبصرا عند بعض العقول ليس في الحقيقة إلا اعترافا ضمنيا بالشك أو بالتفريط . غير أن لعلم الأخلاق مسرحا أوسع مما آتاه أرسطو ، فإنه لا يخرج من مجراه الخاص به إذا اتجه من الحرية التي يدرسها في الانسان إلى ما فوق ذلك ، أي إلى اللّه الذي وهبها إيانا ، والذي ما زال هو قاضيها كما هو شارعها . ومن السهل أن يفهم كيف أن نظريات هذا الفيلسوف على طبيعة النفس لم تسمح له باكتشاف علة الحرية ولا غايتها ، ولكن ليس من الانصاف الإفاضة في هذا النقص ، بل يحسن أن تساق إلى أرسطو عبارات الثناء على هذا البحث الموفق مهما كان ناقصا . ربما كان عقيما في مذهبه أن ينادى عاليا بالحرية التي تقتضى في النفس الانسانية أصلا مخالفا تمام المخالفة لكل ما يجده فيها من الأصول . ولكن هذا التناقض أولى به أن يكون مدعاة إلى الاعجاب . إلى هنا أبلغ على قدم أرسطو وترتيبه ذلك الجزء من علم الأخلاق الذي أجاد فيه ، وهو تحليل الفضائل فضيلة فضيلة ، أو بعبارة أحق إلى رسم صور تلك الفضائل . وإني في هذا المقام لا أعرف له مثيلا لا في « طيوفراسط » تلميذه والمغترف من بحره ، ولا في « لا برويّير » الذي اهتدى بهديهما ، وبتعاليم القرن السابع عشر . فان تصاوير « طيوفراسط » فقيرة بعض الشئ . وأما « لا برويير » فإنه يغلب عليه التهكم أكثر مما ينبغي في وصف الجمعية التي تحويه . فإنه يضع تاريخا مصغرا لا علم أخلاق ، وقد
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 89 | أرسطو