فلم يقل أرسطو البتة : إن كل فضيلة بلا استثناء واقعة على مسافة متساوية من رذيلتين متضادّتين ، بل هو أوّل من نبه على الاستثناءات الكثيرة العدد الكثيرة الظهور .
إنه لشدّ ما يعلم أن « كل فعل وكل انفعال ليس محلا للوسط المذكور » وأنه يوجد « من الأفعال ما إذا سمى باسمه جر ذلك إلى فكرة الشر والرذيلة » دون أن يتسنى لأي تخفيف أن يرجعه تدريجا إلى الحالة الوسطى حيث تكون فضيلة ، ولشدّ ما يعلم أيضا أن اللغة تعجز عن توفية جميع هذه الفروق الدقيقة ، وأن من طوائف الأخلاق ما تكون فيها الرذيلة بالإفراط غير ذات اسم خاص ، ومنها ما تكون الرذيلة بالتفريط هي التي لا اسم لها ، ومنها ما يكون الوسط أي الفضيلة ذاتها هي التي لم تسمّ باسم خاص . فلم يعزب حينئذ عن نظر أرسطو ما تنطوى عليه نظريته من الخفايا ، ولكن ذلك لم يمنعه من تقرير أن الضابط الحق للفضيلة هو أنها وسط يعينه العقل ، مع اعترافه بأنها في روابط اتصالها بالكمال وبالخير لا تكون بعد حدّا وسطا تمكن مجاوزته بل هي على ضدّ ذلك مقام أعلى من كل شئ ، لا يبلغه الانسان إلا نادرا . وإذا كان ذلك كذلك ، فان نظرية الوسط التي أشار إليها أفلاطون من قبل نظرية حقة .
من ذا الذي يستطيع أن ينكر على أرسطو أن الشجاعة وسط بين التهوّر والجبن ، وأن السخاء وسط بين التبذير والبخل ، والعفة بين الفجور والجمود ، وعظم النفس بين الوقاحة والضعة الخ ؟ على أنه قد جعل هذه الاعتبارات مرجعا للعمل يستفيد من الرجوع إليها . والوسيلة الحقة لكل منا إلى بلوغ ذلك الوسط الذي هو الفضيلة إنما هي تعرّف ميوله الطبيعية ومحاربتها إذا كانت سيئة ، بأن يندفع بقدر ما يستطيع إلى الطرف المقابل . فلا يكون إذن بنظرية أرسطو من العيوب إلا ما عزى إليها ظلما . أما هي على ما يقررها هو نفسه فهي مقبولة من كل وجه . وليس فيها باطل
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 87
مساهمون: أرسطو
ص٨٧