تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦

تلك هي نظرة إجمالية عامة في الفضيلة ينبغي أن نوضحها أكثر من ذلك ، وما دام الأمر متعلقا على الخصوص بالعمل يكون من الحسن إيضاح كيف تطبّق الفضيلة في العمل وكيف تنمو . من المشاهد الذي لا جدال فيه أن علل بقاء الأشياء هي علل فنائها تبعا لجهة تأثير تلك العلل . فان الانسان بالأكل يحفظ جسمه في صحة طيبة ، ولكنه به يهلك أيضا إما بأن يأكل أكثر مما يلزم ، وإما بأن لا يأكل البتة قدر الكفاية . كذلك الشأن في الأشياء الأخلاقية ، فإنها يحفظها المرون المنظم على قواعد العقل المستقيم ، وتفنيها مجاوزة الحدّ إما بالزيادة وإما بالنقصان . فالشجاعة تنحصر في اقتحام بعض الأخطار واتقاء بعض آخر ، لكن تجشم جميع المخاطر بلا تمييز ليس من الشجاعة بعد ، وإنما هو من التهوّر ، كما أن اتقاء جميع الأخطار مهما كانت إنما هو شأن الجبن الذي به يخشى المرء كل شئ ، ولا يستطيع أن يحتمل شيئا . فالفضيلة إذن هي ضرب من الوسط بين إفراطين ، نتيجة كل منهما جميعا القضاء عليها ، فإنها هي وحدها باعتدالها وقدرها القويم يمكنها أن تقف بالانسان في هذا الوضع السعيد الذي يمكنه من أداء واجبه الخاص في كل زمان وفي كل فرصة . الأفعال والإحساسات في هذا الصدد على حدّ سواء ، يلزم أن يكون كل منها على نسبة معقولة تتغير مع ذلك تبعا للأشخاص والظروف ، وتبعا لتنوّع الروابط التي توجدها الحركة الطبيعية للأشياء بلا انقطاع . تلك هي نظرية الوسط المشهورة التي هي من حيث هي مأخوذة في عمومها نظرية مضبوطة وحكيمة في العمل ، وإنما كثر توجيه الانتقاد عليها لأنها لم تفهم حق الفهم « 1 » .

هامش
( 1 ) ولقد طعن « كنت » على نظرية أرسطو هذه في مقدّمة كتاب الأخلاق ، الترجمة الفرنساوية لمسپو « تيسو » الطبعة الثالثة ص 187 و 233
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 86 | أرسطو