إذا كانت الفضائل العقلية تنمو بالتعليم والتجربة ، فان الفضيلة الأخلاقية تنمو على الأخص بالاعتياد . ولقد أفاض أرسطو في تقرير هذا المميز الأصلي للفضيلة بأكثر مما فعل أفلاطون . من هذا ينتج أن الفضيلة والرذيلة ليستا مما أوتى الانسان بالطبع . فان الطبع لم يؤت إلا الأصول ، وعلى ذلك فلكل امرئ بما يكرر من الأفعال أن ينمى هذه الأصول طيبة أو رديئة ، أو أن يميتها . ان الأشياء الطبيعية لا تتغير ، فان الحجر الذي خاصته الطبيعية أن يسقط بثقله ، لو صعّد ألف مرة في الهواء لما اعتاد البتة أن يصعد فيه ، وعلى ضدّ ذلك الانسان ، فإنه يستطيع أن يغير عاداته إلى ما يشاء لأنه ليس خاضعا للقوانين الثابتة للمادّة ، وكلما أكثر من عمل شئ تعلم إتقانه .
ومن هذا كان الاهتمام في التربية موجّها إلى طبع الطفل منذ البداية على عادات طيبة حتى يستمرّ جاريا عليها إلى آخر حياته ، وموجها إلى تعليمه وهو في سنه الغضة - كما قال بحق أفلاطون - أين يضع لذاته وآلامه ، لأننا بتحرّينا ما تسببه لنا أعمال الفضيلة من لذة أو ألم نستطيع الحكم بمقدار تقدّمنا في طريق الواجب .
من أجل أن يكون الفعل فاضلا حقا لا بد من تحقق شروط ثلاثة : ( الأوّل ) يلزم أن يكون الفاعل عالما ما ذا يفعل ، ( الثاني ) يلزم أن يريد الفعل باختيار وتدبّر ، دون أن يتوقع من ورائه نفعا ، ( الثالث ) أن يفعل وهو مصمم تصميما لا يتزعزع على أن لا يقع فعله على خلاف ذلك . ولقد اهتم سقراط وأفلاطون بالشرط الأوّل من هذه الشروط الثلاثة فضل اهتمام وان كان الآخران أولى منه بالاهتمام ، فان النقطة الأساسية في علم الأخلاق هي الفعل ، لأنه لا يكون المرء فاضلا إلا إذا اعتاد إتيان الفعال الفاضلة .
أما العامي الذي لا يأخذ من العلم ومن الفلسفة إلا أقوالا فارغة ، فإنه لا يشعر بأنه أشبه ما يكون بأولئك المرضى الذين يسمعون جهدهم قول الطبيب ، ولكنهم لا يفعلون مما يأمرهم به شيئا .
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 85
مساهمون: أرسطو
ص٨٥