ثانوية . وهما الجزء الموصوف بالعقل ، والجزء الذي مع كونه ليس حائزا العقل على المعنى الخاص فإنه قابل لفهمه ومطيع له . ليس هذا التقسيم بدعة ابتدعها ، بل ربما كان قد أخذه عن أفلاطون ، ولكنه استخرج منه نتيجة جديدة محضة ، فإنه يقسم الفضائل إلى طائفتين عظيمتين : إحداهما التي يسميها العقلية ، والأخرى التي يسميها على الخصوص الأخلاقية . فالتبصر مثلا هو فضيلة عقلية ، وأما الشجاعة فهي فضيلة أخلاقية . التبصر يظهر أنه هو والعقل شئ واحد ، وليس هو إلا جهة من جهاته ، في حين أن الشجاعة لا يمكن أن تقوم بذاتها ، وليست شيئا بدون ملكة العقل السامية التي تهديها ، والتي يجب أن تلقى إليها الشجاعة قيادها . وعلى هذا النظر كان أفلاطون قد اعترف بوجود الجزء العاقل للانسان بجانب الجزء الشهوى الذي سماه الجزء الغضبى . ذلك الجزء العاقل هو الذي يعين العقل على الجزء السّبعى الموجود في طبيعتنا ، والذي هو محل لسلطان الغرائز والحاجات المادّية .
ولقد شوهد أن أرسطو لم يتعمق إلى حدّ الكفاية في هذا التقسيم ، وأنه ضحى بنظرية الفضائل العقلية لنظرية الفضائل الأخلاقية في مؤلفاته بالحالة التي وصلت بها الينا .
وذلك نقص حقيقي ربما كان أرسطو غير مسؤول عنه . ذلك لا يمنع من أن التمييز الذي قرّره حق في ذاته ، وغير جدير بما وجه اليه من انتقادات بعض الأخلاقيين وعلى الأخص « شلر ماخر » فليست خواص العقل هي بعينها خواص القلب فمن الحق تمييزهما في العلم ، كما هما متميزان في شؤون الحياة . ولم يقل أرسطو غير ذلك .
وإن اللوم الوحيد الذي وجه اليه هو أنه لم يتعمق في النظرية إلى حدّ الكفاية مع أنها نظرية جديرة بأن تخطها يمين ماهرة كيمين أرسطو ، وأن يستخرج منها كل ما اشتملت عليه .
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 84
مساهمون: أرسطو
ص٨٤