الجزم بسعادة انسان ما بحجة أنه سعيد بعض لحظات ، بل يلزم أن يكونه طوال ، أكثر حياته إن لم يكن طوال حياته بتمامها . هذا هو كل المشروط في السعادة الحقة .
ولقد رضى أرسطو بتعريف السعادة الذي وضعه وبما يحتويه من فكرة سامية إلى درجة أنه لم يتأخر عن اعتبارها شيئا فوق الطبع الانساني . فمن ذا الذي يستطيع أن يدّعى بأنه قد جمع بين هذه الشروط الاستثنائية ؟ ومن ذا الذي يستطيع على الخصوص أن يزعم أنه احتفظ بها مدّة طويلة إذا أتيح له أن يجمع بينها ؟ لا شك أن في هذا غيبا إلهيا يعلو عن أفق الانسان ، ولو أن مجهوده الشخصي لن يبقى عديم الجدوى .
فالسعادة حينئذ هي كسائر الأشياء العليا القدسية جلت عن ثنائنا ، فتكون موضوع احترامنا وإجلالنا ، كما أن الانسان لا يمدح الآلهة ولكنه يعبدهم .
لا أنكر أن في هذه النظرية شيئا من الحق ، وأدرك إلى حدّ ما تبجيل السعادة هذا .
فإنه يلزم لمن يجمع بين الفضيلة والثروة وشرف المولد والجمال ومحبة الناس . . . الخ سنين طوالا أن يكون عند ربه حفيّا . على أن هذا السعيد الذي يتمتع بهذه الكنوز العديدة هو في النوع الانساني من القلة بحيث يكون محلا للعجب إذا اتفق وجوده . غير أنى أقول : إن من الخطأ الفاحش أن تكون غاية الحياة هي السعادة ، فان في هذا سوء مشاهدة للأشياء وتضليلا للضمير معا . أقرّر أن المشاهد هو أن الانسان لا يبحث عن السعادة في كل أفعاله ، بل هناك أحوال عديدة يفتدى المرء فيها الواجب الذي هو أغلب من المنفعة بكل ما يسمّى سعادة ، بمحض اختياره دون أن يكون بطلا . وما أرسطو ببعيد عن هؤلاء الأبطال « مراطون » وأمثال « شرموفيل » الذين قضوا في سبيل الوطن ولم يكد يظهر عليهم أنهم كانوا يفكرون في شئ من سعادتهم وهم يقضون
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 75
مساهمون: أرسطو
ص٧٥