تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦

نحبهم حيث هم . على أن الضمير يجيب الحكيم إذا سأله جوابا أبين مما يجيب به التاريخ . إنه يقول لنا بلهجة لا نستطيع إنكارها : إن السعادة ليست شيئا مذكورا حينما توازن بالواجب ، وإن من السقوط في الخلق أن يرجحها الانسان عليه . على العموم إن اللّه والضمير قلما يسألاننا هذه القرابين المؤلمة . وفي غالب الأوقات لا تنافى بين الفضيلة وبين السعادة على المعنى الضيق الذي يفهمها به أرسطو ، فقد شاء اللّه أن الانسان في مجرى الأمور العادي يستطيع أن يسعى للسعادة دون أن يفرّط في الفضيلة ، ولكنه شاء مع ذلك أيضا أنه في الظروف الصعبة حيث تتعارض السعادة والفضيلة أن تكون السعادة هي القربان للواجب الذي لا ينبغي مطلقا أن ينزل لها عن شئ ما . تلك هي أوّل قاعدة للحكمة ، بل هي وحدها المطابقة للواقع ، والتي هي جديرة بفلسفة بيّنة . ومن ضل هذه القاعدة قاعدة الأخلاق ، فقد أوشك أن لا يفهم شيئا من الحياة الانسانية . ولكيلا يضلّ الانسان في هذا السبيل الخطر يلزمه مجهود عبقري . من هذا الخطأ الأصلي نتج عدد عظيم من الأغلاط أقل خطرا ولكنها سيئة النتائج أيضا : منها اتباع الاخلاق للسياسة ، فان أرسطو يقرر هذا الرأي الغريب في أوّل كتابه ، كما يقرّر في آخره أن السياسة إنما هي العلم الأساسي والرئيسي للعلوم الأخرى . يعنى بذلك « أن السياسة لا تعيّن فقط ما هي العلوم الضرورية لبقاء الممالك بل هي التي » « تعين أيضا العلوم التي يجب على أهل المدنية أن يتعلموها وإلى أي حد يوغلون فيها » . وليبيّن فكرته البيان المطلوب قال : « لما كان غرض السياسة يشمل الأغراض » « المختلفة لجميع العلوم ، كانت السياسة هي علم الخير الأعلى للانسان « 1 » » . فكون علم السياسة

هامش
( 1 ) الأخلاق إلى نيقوماخوس ك 1 ب 1 ف 9 - 12 وآخر الكتاب .