تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
فوق علم الأخلاق ليس سببه فقط أن المملكة أكبر أهمية من الفرد ، وأن إسعاد أمة هو أجمل من إسعاد فرد واحد ، بل السياسة فوق علم الأخلاق في درجات الشرف العلمي ، وموضوعها هو أسمى من موضوعه بمقدار الفرق بين علم جزئي وبين علم كلىّ تام . كذلك يجعل أرسطو علم الأخلاق مقدّمة بسيطة للسياسة التي هي وحدها على رأيه « ما به تمام فلسفة الأشياء الانسانية » التي يرسمها علم الأخلاق على نحو ناقص . إن اتباع الأخلاق للسياسة من هذه الجهة إنما هو قلب لنظام الأشياء . إنما هو على الضبط ضدّ الحق ، فان السياسة ليس لها مبدأ واحد لم تستمدّه من الأخلاق . فما ذا عساه أن يكون التشريع في الممالك إذا كان لا يستند إلى علم الأخلاق ؟ وما ذا عسى أن يكون حال الحكومة وقد خلت من العدل ؟ وما هو مصير الجمعيات الانسانية بلا أخلاق ؟ ألا إن العلم الأساسي المتقدّم على غيره بفضل أنه شخصي ، والسامي عن غيره بسبب أنه يعطى القانون ولا يأخذ منه ، إنما هو علم الأخلاق . ولا مشاحة في أن السياسة لا تطاوعه إلا بغاية الصعوبة ، فان الحكومات في إدارة الجمعية قلما تأبه له ، بل هي تنتهك حرمته أحيانا بغاية الجرأة ، إن لم تتهكها دائما بلا مسؤولية . غير أن ذلك إنما يحطّ من قدر السياسة دون أن يكون رافعا لها . إنها لا تعصى علم الأخلاق بقصد العصيان ولكنها تجهله ، والأمم هي التي تدفع ثمن هذه العمايات وتلك الرذائل . ومن جهة أخرى إذا كانت الحكومة تستطيع شيئا كثيرا من إسعاد الفرد باعتبار أنها من القوّة بحيث تتصرف فيه على ما تشاء ، فإنها لا تستطيع شيئا كثيرا لجعله فاضلا . لقد استطاع أهل آتينا أن يحكموا على سقراط بالاعدام ، ولكنهم لم يستطيعوا أن يقهروا ضميره أو يفسدوه ، ولو أنهم أخلوا سبيله حرا ، لما اشتغل إلا بالدأب على عمله الفلسفي . غير أنه متى أسند إلى السعادة مثل هذا النصيب