تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
بأنه نظري ، فهو المذهب العملي الوحيد . وإن الأخطار التي يعرّض المرء نفسه لها بمجافاته إنما تتوقع على قدر نسبة ما بينه وبين ذلك المذهب من البعد . هنا أفرغ من الكلام على مذهب أفلاطون ، وأنتقل إلى مذهب أرسطوطاليس . بهذا المذهب نهبط إلى عالم آخر أدنى مما كنا فيه كثيرا ، وان كان لا يزال رفيعا جدّا . فان العقل اليوناني قد وصل إلى أوجه قبل « فيليپس » و « الإسكندر » ثم أخذت اغريقيا - التي أوشكت أن تفقد حريتها - تدخل في ذلك الاضمحلال الطويل الذي مكث نحو ألف عام تتدهور فيه من هاوية إلى هاوية ، غير أن هذا السقوط لم يك دائما إلا مفيدا للعقل البشرى . لا أقول إن أرسطو كان اذن على شفا حرف السقوط ، مع أن عبقريته من وجوه كثيرة لم يوجد من يعلو عليها إن وجد من يساويها . غير أنه في مادّة علم الأخلاق كان بعيدا عن أستاذه بمراحل . فإنه قد خرج عن تلك الآفاق الصاحية التي قضى فيها عشرين عاما كان يمكنه فيها أن يستهدى بهدى معلمه . إنه قد سبر غور الحياة ورسم منها صورا بالغة حدّ الضبط ، ولكنه لم يرتق كما ينبغي إلى ما هو أعلى منها ، كأنما هو يرى أن يكتفى بوصفها دون أن يتصدّى إلى الحكم عليها ، ولا إلى قيادتها على الأخص . يغلب عليه أنه ينسى - على رغم مزاعمه - أن الأخلاقىّ يجب أن يكون مرشدا لا مؤرّخا . لا شك في أن التجربة شئ نفيس جدّا يحسن أن تتبوأ مركزها من علم الأخلاق ، ولكنه لا يلزم البتة أن يعدّ لها فيه إلا مركز ثانوي ، فان المرء متى اعتزم أمرا عظيما ، فعلمه بما ينبغي أن يفعل هو ، أولى من أن يعلم ما ذا يفعل غيره . فان ضميره يلهمه دائما ما هو أحسن مما يستفيد من تجارب الغير . ذلك بأن أرسطو يتمسك أكثر من اللازم قليلا بالواقعيات ، ولا يستمسك البتة على القدر اللازم بالمعقولات . وإن هذا النمط لغير مأمون في جميع فروع العلم على رغم ما يظن به عادة .