لا ينبغي أن يحب إلا الخير سواء في نفسه أو في غيره ، وإلا وقع من سلوكه في ألف خطيئة لا يمكن اجتنابها . واجب كل انسان إنما هو أن يتقى حب الذات المشوش ، وأن لا يرم أنفه أن يتبع الذين هم أرفع منه قدرا . حينئذ من أي ناحية اعتبر مذهب أفلاطون أدّى إلى هذه النتيجة الكبرى ، وهي التسليم بأن في الطبع البشرى مبدأين مختلفين مرتبطين بروابط مغشاة بغشاء من الغموض ، أحدهما وهو الذي يقرّبنا إلى اللّه يجب أن يتسلط تماما على الآخر الذي ينزل بنا إلى البهيمة . ولقد أحلّ للانسان أن يتمتع لسعادته ومجده بصنفين من الخيرات لا يجوز له الخلط فيهما وإلا هلك ، الأوّل الخيرات الإلهية للنفس : التبصر والاعتدال والعدل والشجاعة أجزاء الفضيلة ، والثاني الخيرات البشرية التي هي نفيسة بلا شك ، لكنها منحطة عن الأخرى ، وهي الصحة والجمال والقوّة والثروة . تضلّ المملكة كما يضلّ الفرد إذا هي فضلت الثانية على الأولى ، ومالت إلى تنمية ثروة الأمة وقوّتها أكثر من فضيلتها « 1 » . أما إني لأجهد نفسي عبثا ، فلا أجد ما يعارض به هذا المذهب الشريف : إنه ليس أجمل المذاهب فقط ، بل هو أيضا أحقها . وما تأتى تجربة الحياة عند من يفهمها في لبها وامتدادها إلا بتأييد هذا المذهب أكثر فأكثر . الفضيلة صعب على الانسان حملها ولكنها موئله الأمين . إنها على رغم ما يعاندها في الظاهر هي مقياس سعادته ، وما يشك في هذه الحقيقة الساطعة إلا من كان سطحى النظر في الأشياء .
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 67
مساهمون: أرسطو
ص٦٧
هامش
( 1 ) أفلاطون - القوانين ص 5 و 265 - فيليب ص 469 - الجمهورية ص 9 و 227 - القوانين ك 1 ص 20 وك 2 ص 93 وك 5 ص 280 و 292 وك 12 ص 386 - الجمهورية ك 2 ص 65