وإن أعلم الناس ذلك الذي هو مثل سقراط يعترف بأن حكمته المزعومة ليست إلا هباء . أما الفضيلة الانسانية المحضة فإنها لا تكاد تجاوز أبعد من حدّ العلم . وعندما قارن سقراط بين فضائل دنيانا وبين المثل الأعلى الذي يفهمه وجد أن الانسان أقلّ فضيلة منه علما . إن مقرّ الفضيلة هو روح الآلهة ، وإن ما يرى منها على الأرض ليس إلا آثارا عافية . هذا الاحساس بالضعف طبيعي في الانسان ، إلى حدّ انه لا يجرؤ حتى على ما يستطيع ، وما رؤى انسان البتة وقد وافقت أفعاله ومبادئه منهاج الفضيلة بقدر ما يسمح له به عجز الطبع الانساني . إن الناس على رأى سقراط ليسوا بين يدي القدرة القدسية إلا آلات لا يكاد يوجد فيها من الفضيلة ومن الحق إلا آثار . فإذا عيب على هذا الفيلسوف أنه يتكلم عن النوع الانساني بازدراء ، فعذره أنه نظر إلى العالم من الملأ الأعلى ، فأخذه ذلك المشهد القدسي بأن يعترف هذا الاعتراف الذي يشفّ عن الخضوع لذلك الجلال « 1 » . ان أكبر شرّ في الانسان هو عيب يرافقنا جميعا منذ الولادة ، وكل الناس يسامح نفسه فيه ، ولهذا لا تجد من يبحث عن الخلاص منه . إنهم يسمونه الحب الذاتي ، ولا شك في أن لهذا الحب الذاتي بعض المحل من الحق ، بل من الضرورة ، لأن الطبيعة هي التي ركبته فينا . ولكن ذلك لا يمنع أنه متى أفرط فيه صار العلة العادية لجميع خطايانا . قد يتعامى الانسان بغاية السهولة عما يجب ، فقد يسيء الحكم على ما هو حق وطيب وجميل ، متى ظن واجبا عليه أن يفضل دائما منافعه على منافع الحق ! فأيّما انسان شاء أن يكون رجلا عظيما ، لا ينبغي له أن يحب ذاته ولا ما هو له .
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 66
مساهمون: أرسطو
ص٦٦
هامش
( 1 ) أفلاطون - تقريظ سقراط ص 70 إلى 76 - القوانين ك 10 ص 267 - الجمهورية ك 6 ص 34 و 38 - القوانين ك 7 ص 41 - فيدون ص 299