ما يكون من هذا الواقع . محل الانسان في نظام الخليقة العام هو ما عينه له أفلاطون ، ومن العماية أن يخلط مع الحيوانات ولو مع أرفعها مكانة . وما عدم الاعتراف بعلوّ مكانته إلى ما لا نهاية له ، أو بالأولى بمخالفة طبعه مخالفة مطلقة لطبع غيره إلا غمض العيون عن النور ، والاعتماد على العقل في هدم العقل نفسه . منذ ألفي عام إلى الآن قد وصل العلم إلى شئ كثير فيما يتعلق بالتركيب الطبيعي للانسان وخواص المادة التي يعيش في وسطها ، ولكنه لم يصل إلى معرفة كلمة واحدة أزيد مما قاله سقراط على طبع الانسان الخاص وعلاقاته الحقيقية بالعالم وبالله .
ان ما يزيد في نفسي روعة هذه النظريات التي اتبعتها القرون دون أن تغيرها هو أنها لما كشفت للانسان الستار عن عظمته لم تحجب عنه ضعفه . إن مثل هذا النور الساطع كان من شأنه أن يردّ النظر حسيرا عند رؤيته لأوّل مرة لو كان من رآه أقل ثباتا من سقراط . غير أن نظر سقراط قد رأى الشر كما كان يرى الخير ولم يكن بأقلّ إخلاصا في خشوعه منه في العزة التي لحقته على أثر مثل تلك المعتقدات الشريفة . فلما أوحى إله « دلفوس » إلى « شريفون » أن ليس في العالم أحكم من سقراط ، دهش سقراط لهذا المدح ، لأنه أبعد من أن يسلم به لنفسه . إنه مع ذلك يعتقد قول الاله ، لأن إلها لا يمكن أن يكذب ، فبقى سقراط زمنا طويلا حائرا في معنى هذا الهاتف ، يقارن نفسه مقارنة إنصاف بغيره من الناس ، فلا يجد له عليهم من السؤدد إلا أنهم يعتقدون أنهم يعلمون ، في حين أنهم بالفعل لا يعلمون شيئا .
أما هو فإنه لا يعتقد البتة أنه يعلم حين لا يعلم . بذلك وحده كان أحكم منهم قليلا .
فانظر إذن إلى أي حدّ يمكن أن تصل الحكمة الانسانية . ومهما يكن من أمرها فإنها ليست شيئا كبيرا ، بل ليست شيئا مذكورا ، لأن « أپلّون » وحده هو الحكيم
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 65
مساهمون: أرسطو
ص٦٥